بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 28 يونيو 2010

حديقـة المباهـج الأرضيـة للفنان الهولندي هيرونيموس بوش

يتفق الكثير من نقّاد الفن على اعتبار هذه اللوحة واحدة من أعظم الأعمال في تاريخ الفن ومن أكثرها شهرةً وخلودا.
رسم هيرونيموس بوش اللوحة قبل خمسمائة عام، وما تزال إلى اليوم تحتفظ بأصالتها وجاذبيتها التي كانت عليها في العام 1504م.
وُيرجّح أن تكون اللوحة قد أنجزت بناءً على طلب أحد النبلاء الهولنديين آنذاك.
"حديقة المباهج الأرضية" تتألف من ثلاثة أجزاء وقد استمدّت اسمها من الحديقة المترفة التي تبدو في الجزء الأوسط المملوء بصور نساء عاريات وطيور ضخمة وفواكه عملاقة.
واللوحة تصوّر تاريخ العالم ومراحل تطوّر الخطيئة بدءا من آدم وحوّاء اللذين ارتكبا الخطيئة "الجزء الأيسر"، إلى عذاب الخاطئين في الجحيم الذي يبدو إلى يسار اللوحة منطقة مظلمة وكابوسية وباردة.
أما في الوسط فتظهر حديقة المباهج الأرضية التي تصوّر عالما منغمسا في الملذّات والخطايا، حيث تتجسّد الشهوة باعتبارها سببا في سقوط الإنسان.
في هذه اللوحة الفانتازية يبدو هيرونيموس بوش مهجوسا بالرؤى الكابوسية للجحيم والخطيئة، وهي فكرة كانت سائدة في القرون الوسطى بأوربا.
و اللوحة تبرهن على قدرة الفنان المدهشة في بناء طبيعة ذات تفاصيل ضخمة ودقيقة من خلال سلسلة من المبالغات والتشويهات الغريبة.
كما تزخر اللوحة بأكثر من ألف رسم لبشر وحيوانات وثمار ونباتات. ومع ذلك، فإنها تعطي انطباعا بحداثتها وجدّة موضوعها.
وليس بالغريب أن ينجذب إلى هذه اللوحة سورياليو القرن العشرين لانها تحمل بعض سمات مدرستهم.
كان هيرونيموس بوش، واسمه الحقيقي جيروم فان ايكين، رجلا متشائما وأخلاقيا إلى حدّ كبير، ولم يكن يؤمن بإمكانية عقلنة العالم الذي فسد بسبب وجود الإنسان فيه، كما كان يقول.
ولزمن طويل ظلّ النقاد حائرين في تفسير رسومات هذا الفنان. وبعضهم كان يعتقد بانتمائه إلى "فرقة ضالة" أو منظمّة سرّية غامضة، على الرّغم من المضامين الدينية للوحاته.
لكن آخر دراسة نقدية عن الفنان تكشف عن انه كان فنانا موهوبا يفهم أسرار النفس الإنسانية، كما كان أحد الفنانين الأوائل الذين قدّموا مفاهيم تجريدية في أعمالهم.
وأخيرا، هناك حوالي أربعين لوحة منسوبة إلى هيرونيموس بوش، لكن سبعا منها فقط هي التي تحمل توقيعه..


السـاقـي المغـنـّـي للفنان الاسكتلندي جاك فيتريانو

لا يوجد فنّان حديث انقسمت حوله الآراء واختلف بشأنه النقّاد بمثل ما اختلفوا وانقسموا حول الفنان جاك فيتريانو.
ورغم ذلك، يبدو الجمهور في حالة ترقّب دائم لاعمال هذا الفنان.
وتشير التقديرات إلى أن فيتريانو يجني سنويا اكثر من مائتي ألف جنيه استرليني من بيع نسخ لوحاته التي يتهافت على شرائها المشاهير والناس العاديّون.
قصّة فيتريانو تذكّرنا على نحو ما بالقول العربي المأثور: لا كرامة لنبيّ في وطنه". فنقاد الفنّ في اسكوتلندا، بلد الفنان، يبدون اقلّ حماسا واحتفاءً بلوحاته. بل إن بعضهم يصفها بأنها مجرّد إيحاءات جنسية فجّة ورخيصة، والبعض الآخر لا يرى فيها اكثر من تشكيلات لونية باردة وبلا روح..
لكن للسوق رأيا آخر مختلفا. إذ أن أعمال فيتريانو هي اليوم الأكثر تفضيلا لدى الجمهور.
بل إن عدد النسخ التي بيعت من اشهر أعماله، وهي لوحة "الساقي المغنّي"، تفوق بكثير ما بيع من أعمال اكثر الفنانين شهرة واحتفاءً وعلى رأسهم فان غوخ وبيكاسو.
وقد بيعت هذه اللوحة قبل أربع سنوات في مزاد علني بمبلغ مليون ونصف المليون دولار.
واللوحة تنطوي على سحر خاص بالنظر إلى تكوينها الفريد وألوانها الرائعة والمبهجة وجوّها الرومانسي البديع.
وهي تصوّر زوجين، أو لعلهما عاشقان، يرتديان ملابس السهرة الأنيقة وقد اندمجا في نوبة رقص حميمة على شاطئ يشبه الحلم، بينما أحاط بهما نادل وخادمة وهما يحملان مظلتين لحمايتهما من رذاذ المطر المتساقط.
ومع أن ملامح الرجل والمرأة غير ظاهرة، فإنه يمكن بسهولة تخيّل طبيعة انفعالاتهما في تلك اللحظة.
المعروف أن فيتريانو أصاب نجاحا عالميا باهرا، خصوصا في الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان.
لكن المشكلة في المثال الذي يجسّده فنان مثل فيتريانو هي أن الناس يفترضون في الفنان أن يكافح ويتعب ويناضل طويلا حتى يعترف الناس بموهبته ويحصل على الشهرة، وهذا لا يحدث في الغالب إلا بعد أن يموت أو يصاب بالجنون.
لكن فيتريانو، وهو بالمناسبة شخص على درجة عالية من الأدب والتواضع، رفض هذا النمط التقليدي، مما جلب عليه غضب وسخط المؤسّسة الفنية في اسكتلندا.
ورغم أن مؤيّدي فيتريانو من النقاد قليلون، فإن بعض الشخصيات المرموقة في ميدان الأدب والفن هبّوا إلى نجدته ومؤازرته، ومن بين هؤلاء المؤلف ال كينيدي الذي وصف منتقدي فيتريانو ومهاجميه بأنهم "جماعة من الحمقى الذين أعمى الحقد والحسد قلوبهم".
لوحات فيتريانو تفتح بوّابة إلى عوالم من الفتنة يمتزج فيها الماضي بالحاضر، وأعماله تستحضر من الروايات والأفلام مشاهد لرجال ونساء على الشطآن وفي الأندية والطرقات وفي البيوت ووراء الغرف الموصدة.
من غير المعروف ما إذا كان النقاد سيغيّرون موقفهم من فيتريانو وفنّه قريبا.
لكن من يدري! بعد مائة عام من الآن ربّما يكون لجاك فيتريانو وللوحاته ما لـ فان غوخ ورمبراندت من تقدير وشهرة وانتشار هذه الأيام.


الــربيــع للفنان الفرنسي بيير اوغست كوت

في هذه اللوحة الجميلة يصوّر اوغست كوت لحظات حبّ حميمة بين شابّ وفتاة يطوّق كل منهما الآخر، بينما يجلسان فوق أرجوحة ثُبّت طرفاها في فروع شجرة بإحدى الغابات.
لوحة "الربيع" يقال أحيانا أنها احد أفضل الأعمال الفنية التي تصوّر مشهدا رومانسيا. ولطالما خلبت هذه اللوحة خيال الكثيرين طوال الأعوام المائة والثلاثين الماضية.
بعد أن أكمل كوت رسم اللوحة أواخر القرن التاسع عشر، عرضها في صالون باريس حيث لقيت الكثير من الإعجاب والتقدير. وفي ما بعد، اشتهرت اللوحة كثيرا وذاع صيتها أكثر من الرسّام نفسه. وأصبحت مع مرور الأيام أيقونة ترمز إلى حسيّة ونكهة القرن التاسع عشر.
وقد تمّ استنساخ ملايين الطبعات من اللوحة واستخدمت لتزيين الورق الحائطي وأعمال البورسلين والبطاقات البريدية والبوسترات وغيرها.
عندما عُرضت اللوحة لأوّل مرة في باريس، اشتراها أحد الأثرياء ومن ثمّ بيعت لأحد جامعي القطع الفنية. ثم أعيرت اللوحة في ما بعد إلى متحف بروكلين حيث ظلت فيه أكثر من خمسة وثلاثين عاما قبل أن يستعيدها صاحبها الأول. وفي السنوات الأربعين التالية، اختفت اللوحة تماما وضاع كلّ اثر لها، إلى أن ظهرت مجدّدا وقد علاها التراب في مستودع فندق أمريكي قديم.
وقبل سنوات عُرضت اللوحة الأصلية في مزاد سوثبي اللندني. غيـر أنها لم تحقّق السعر الذي كان يطمع به صاحبها.
كان بيير اوغست كوت فنانا مجتهدا ونشطا. وقد درس الرسم في مدرسة الفنون الجميلة في تولوز قبل أن يذهب إلى باريس التي تعلّم فيها على يد كلّ من كابانيل وبوجيريو.
وكان من عادته أن يستيقظ فجر كلّ يوم ليرسم، مستفيدا من كمّية ونوعية الضوء المتوفّر باكرا. وكثيرا ما كان يذهب إلى الريف الفرنسي باحثا عن أجمل البائعات وخادمات المنازل كي يرسمهن في لوحاته.
وتتسم أعمال كوت بالأصالة وبمزجها بين السمات الكلاسيكية للرسم والأحاسيس الإنسانية البريئة. وقد اشتهر أيضا برسم البورتريه. ومن بين أعماله كلّها، لا تضاهي الربيع شهرة وانتشارا سوى لوحته الأخرى العاصفة الموجودة في متحف المتروبوليتان.


مسافـر فـوق بحـر مـن ضبــاب للفنان الألماني كاسبـار ديفيـد فريـدريــش

يقال أحيانا أنه ما من لوحة في تاريخ الفنّ كلّه استطاعت أن تحظى باهتمام الفلاسفة والمؤرّخين وأدباء الحداثة بمثل ما حظيت به هذه اللوحة.
فالرسّام استطاع أن يختزل مشاعر ومزاج عصر بأكمله من خلال وقفة الرجل ونظرته المتأمّلة بعمق.
صحيح أن العالم مفتوح أمامه إذ يقف في ذلك المكان المرتفع الذي يُفترض انه يرى منه كل شيء أمامه وتحته. ومع ذلك فالعالم ما يزال بالنسبة له لغزا يلفّه الضباب ويستعصي على الفهم.
ومعظم المشهد محجوب عن أنظارنا. والمسافر هنا مكشوف جزئيا فقط. حيث أننا لا نراه سوى من الخلف. وليس هناك ما يدلّ على حقيقة تعابيره سوى طريقته في الوقوف التي ربّما تكون المؤشّر الوحيد على مزاجه.
يقول بعض النقاد إن الشخص الواقف أمامنا ليس سوى الفنان نفسه. لكنّ كلّ ما نراه هو رجل غارق في لقاء تأمّلي مع الطبيعة.
والطبيعة هنا لا تكشف سوى عن جزء يسير منها. ورحلة المسافر إلى هذا المكان توفّر له أفقا أوضح وأكثر رحابة ممّا هو متوفّر أسفل.
ومع ذلك، ليس هناك وضوح تام، إذ يتعذّر رؤية ما وراء الضّباب وإن كان بالإمكان محاولة التنبّؤ بما يخفيه.
ورغم مرور كلّ هذه السنوات على ظهور اللوحة، فإنها ما تزال تحتفظ بهالتها وجاذبيّتها وصِلَتها الوثيقة بروح ومزاج عصر الحداثة وما بعدها. وقد أصبحت ترمز إلى غربة الإنسان المعاصر وإلى المستقبل المجهول ومعاناة الإنسان الذي يجد نفسه تائها وهو يبحث عن هدف للوجود أو معنى للحياة.
ولد كاسبار فريدريش في العام 1798 م. وطوال حياته كان شخصا تقيّا متأمّلا مع شيء من التشاؤم والسوداوية.
توفيت أمّه وهو في السابعة من عمره، وبعد ستّ سنوات توفي شقيقه بينما كان يحاول إنقاذ كاسبار من الغرق.
هذا الحادث ترك أثرا عميقا على شخصية الفنان، فظلّ طوال حياته واقعا تحت هاجس الموت والطبيعة والخالق.
وفي بقعة منعزلة من الطبيعة الجميلة وجد كاسبار بعض العزاء والإلهام.
كان يسافر إلى ساحل البلطيق ويزور منطقة الجبال هناك. ويبدو أن تلك المناظر الجليلة وفّرت له موضوعات وأفكارا غنيّة للرسم.
وخلال أسفاره، كان فريديريش يرسم لوحات ذات موتيفات محدّدة مثل أقواس قزح وأشجار السنديان الضخمة التي كان يراها كثيرا في تلك البقعة.
ولأنه وُهب القدرة على ملاحظة الطبيعة وتأمّلها، فقد كان ميّالا للتعبير عنها بعيني مؤمن تقيّ، ما أنتج لوحات ذات قوّة تعبيرية وروحية هائلة.
ويقال إن أعظم انجازات فريدريش هو قدرته على تحويل مناظر الطبيعة إلى كشوفات سايكولوجية وروحية وتعبير مبدع عن الذات. ولوحاته هي من ذلك النوع الذي يُشعِر الإنسان بالتوق الشديد واستدعاء التطلعات والأحلام البعيدة.
وقد رسم هذه اللوحة وكأنه يدعو المتلقي إلى النظر للعالم من خلال عدسة الفنان وإدراكه الخاص.
كان فريدريش مفتونا بفكرة الالتقاء بالطبيعة في حال من التأمّل والعزلة. وكثيرا ما كان يرسم شخوص لوحاته من الخلف، وهو ما أصبح ملمحا مهمّا من ملامح التجربة الرومانتيكية في نظرتها إلى الطبيعة والفنّ.
في اللوحة يركّز الفنان على عناصر التباين. فالطبيعة هنا لا تكشف عن أيّ جمال ظاهري ملفت، بل تعمّد الرسّام التأكيد على رؤيته الخاصة لوظيفة الفن، وهي إبراز الطريقة التي تجعلنا من خلالها الطبيعة نتوق لشيء لا يمكن بلوغه، قد يكون الجنّة الكامنة في طفولتنا حسب التفسير الفرويدي.
وقد عُرف عن فريدريش انه كان مهجوسا بفكرة الموت وما بعد الحياة. وهو في جميع أعماله تقريبا يؤكّد على أن الموت لا ينتظرنا في المقبرة فقط، بل يترصّدنا خلف السحب الداكنة أو أمام قارب اختفى نصفه في السديم أو وراء المدخل المؤدّي إلى أعماق الغابة.
بحلول منتصف القرن التاسع عشر، كانت لوحات فريدريش قد نُسيت تماما تقريبا، وظلّت مجهولة حتى بداية القرن العشرين عندما أعاد الرسّامون الرمزيون اكتشافها ووجدوا أنها زاخرة بالرؤى والمعاني العميقة. ومن أشهر من تأثروا به السويسري ارنولد باكلين والنرويجي يوهان دال.
ومن المؤسف أن بعض أشهر لوحاته تعرّضت للتدمير والتلف عندما استهدفت طائرات الحلفاء بعض المتاحف في درسدن وميونيخ خلال الحرب العالمية الثانية.
الجدير بالذكر أن لوحات كاسبار فريدريش وموسيقى بيتهوفن أسهمت معا وبشكل كبير في التعبير العميق عن الرومانتيكية الألمانية.


مـولـد فيـنــوس للفنان الإيطالي ساندرو بوتيشيللي

لوحة مشهورة تعود إلى عصر النهضة في إيطاليا وتعتمد في موضوعها على أسطورة كلاسيكية: أسطورة فينوس
في ذلك العصر، كان الإيطاليون يحاولون توظيف الفن والأدب من اجل استعادة أمجاد روما، وكانوا مقتنعين بالحكمة المتفوقة للقدماء لدرجة انهم كانوا يعتقدون بان الأساطير الكلاسيكية تتضمّن بعض الحقائق العميقة والغامضة
وكان الشخص الذي عهد إلى الفنان ساندرو بوتيشيللي بمهمّة رسم الأسطورة هو أحد أفراد عائلة ميديتشي الغنية والمتنفذة بغرض الاحتفاظ بها في منزله
وقد عهد ذلك النبيل إلى أحد أصدقائه بان يشرح للفنان رؤية الأقدمين لفينوس آلهة الجمال وهي تخرج من البحر في اليوم الأول للخلق، حسب الأسطورة
كان ينظر إلى مولد فينوس باعتباره رمزا للغموض الذي انتقلت من خلاله رسالة الجمال الإلهي إلى أهل الأرض
وبإمكان المرء أن يتخيّل كيف اعدّ الفنان بوتيشيللي نفسه في العام 1485 لانجاز هذه المهمة بطريقة مقنعة، فـ "فينوس" حسب الأسطورة الإغريقية خرجت من البحر على صدفة دفعتها رياح الربّ إلى الشاطئ وسط شلال احتفالي من الأزهار والورود المذهبة
وعندما لامست قدما فينوس الأرض استقبلتها إحدى الحوريات بعباءة ارجوانية اللون لتغطي عريها
"فينوس" بوتيشيللي تتمتع بوجه ذي تقاطيع جميلة جدا لدرجة انه يصرفنا عن ملاحظة الطول غير الطبيعي لعنقها والانحدار الحاد لمنكبيها والطريقة الغريبة - نوعا ما - التي ُثبت بها ذراعها الأيسر إلى جسدها
لكن ذلك لا يقلل من جمال وهارمونية التصميم الذي يعمق الإحساس برقة وهشاشة هذا الكائن الذي حط على شواطئ أهل الأرض كمنحة من السماء
بوتيشيللي صوّر فينوس بطريقة توحي بالحركية والفورية من خلال سلسلة جميلة ومعقدة من الانحناءات والالتواءات، في ذات اللحظة التي تخطو فيها خارج صدفتها العملاقة باتجاه الشاطئ
"مولد فينوس" لوحة جميلة ومعبّرة وهي مألوفة كثيرا لدى مصمّمي برامج الكمبيوتر، وما تزال شركة ادوبي تستخدم هذه التحفة الفنية في التعريف ببرنامجها ذي الشعبية الكبيرة ايللوستريتور ، كما ُوظفت مشاهد وأجزاء من هذه اللوحة الفريدة في العديد من الكتب والروايات والأفلام السينمائية

نسـاء يجمعـن الحصــاد للفنان الفرنسي جان فرانسوا ميلليه

يمكن تصنيف ميلليه باعتباره فنانا واقعيا، وهذا ما يوحي به عالمه المتجسد في لوحاته
ولوحته هنا تعتبر بإجماع معظم نقاد الفن إحدى روائع الفن الكلاسيكي العالمي، ويمكن للمرء بسهولة أن يتعرف على أسلوب هذا الفنان الذي يعطي أهمية فائقة للتفاصيل، كالملابس وحركة الجسد وتوزيع اللون
في "نساء يجمعن الحصاد" تبدو مجموعة من النساء المجهولات وهن منهمكات في جمع بقايا البذور المتخلفة عن موسم الحصاد في حقل مذهّب قبيل ساعة المغيب
هذه اللوحة أثارت جدلا واسعا في فرنسا وقتها، فنقاد الفن لم يستحسنوا فكرة أن ُيصوّر الفلاحون في هيئة من الاحترام والهيبة أو أن تصبح هذه الطبقة المجهولة والمتواضعة والمهمشة موضوعا رئيسيا في عمل فني
ومن هنا تنبع أصالة هذا الفنان الذي رفض المسلمات الكلاسيكية وأصر على تصوير المفردات البسيطة للحياة اليومية ، ولهذا السبب ُسمّي "مصور الفلاحين
اللوحة أهداها لمتحف اللوفر الفرد شوشارد الذي كان قد دفع في بدايات القرن الماضي حوالي المليون فرنك فرنسي من اجل استردادها من الولايات المتحدة
ينحدر جان فرانسوا ميلليه من عائلة فلاحية صغيرة ، ولم يكن مستغربا أن يكرس فنه لتصوير حياة الريف وان يخلع على الفلاحين الذي يظهرون في رسوماته صفات البطولة والنبل والكرم
أما تأثير ميلليه على الفن الأوربي فكان تأثيرا هائلا، فقد شجع بودين واثّر كثيرا في مونيه وبيسارو، بل إن فان غوخ نفسه استوحى أفكار بعض لوحاته من صور ميلليه
وهناك من النقاد من يقول إن ميلليه بأسلوبه الفني المتفرد كان هو الملهم الأول لاتباع المدرسة الفنية الجديدة التي جاءت بعده مباشرة ، أي الانطباعية
وأخيرا، في "نساء يجمعن الحصاد" أجواء ضبابية وألوان دافئة، رغم أن المشهد نفسه يعبر عن صورة من صور العوز والفقر المدقع

الأرجــوحـــة للفنان الفرنسي جان اونوريه فراغونار


تعتبر مشاهد المجون والتخّلع والولع بالنساء تجسيدا لروح مدرسة الروكوكو في الفن الأوربي.
كان جان اونوريه فراغونار تلميذا لشاردان ومن ثم لبوشير، قبل أن يرحل إلى إيطاليا حيث تعلق هناك بفن الباروك .
وفي هذا الوقت تخصّص في رسم عدد كبير من اللوحات التي تعالج مواضيع وشخصيات تاريخية.
وعند عودته إلى باريس، سرعان ما غيّر فراغونار أسلوبه الفني واتجه إلى رسم مواضيع ايروتيكية ، والى هذه المواضيع بالتحديد تنتمي لوحته الأشهر الأرجوحة.
ما أن أنهى فراغونار رسم لوحته هذه حتى أصبحت حديث نقاد الفن في أوربا، ليس فقط بسبب تكنيكها الفني وانما أيضا بسبب الفضيحة التي خلفها.
ففي اللوحة يظهر نبيل شاب وهو يحدّق في تنّورة السيدة المتأرجحة على الشجرة، بينما يبدو في الخلفية الكاهن العاشق الذي اضطرّها بملاحقاته المتحرّشة إلى اللوذ بذلك المكان المرتفع.
وبنفس هذه الروح أنجز فراغونار عددا من لوحاته الأخرى الشهيرة مثل قبلات مسروقة، و خدعة الرجل الأعمى.
وبعد زواجه في 1769 ، بدأ فراغونار رسم لوحات تصوّر مشاهد عائلية وطفولية وحتى دينية.
بالنسبة للكثير من النقاد، تعتبر لوحة الأرجوحة تجسيدا لروح النظام الملكي عشية قيام الثورة الفرنسية.


منحوتة طائـر فـي الفضـاء للنحّات الروماني كونستانتين برانكوزي

قليلة هي الأعمال التجريدية التي تحوّلت من كونها مرتبطة بزمن وعصر معيّن لتصبح مع مرور السنوات تحفا فنية خالدة تتحدّى عوامل النسيان والتقادم.
وهذه المنحوتة توفّر نموذجا لذلك. فكلّ ما فيها يضفي شعورا بالتحليق والفخامة.
وقد عمل النحّات على صقل وتنعيم النحاس إلى أن ذابت مادّية التمثال في لمعانه البرونزي المنعكس.
كان كونستانتين برانكوزي في بداياته نجّارا وبنّاءً للحجر. وعندما وصل إلى باريس في مستهلّ القرن الماضي كان متأثّرا بالفنّ الشرقي والأفريقي. وبدأ في تعلّم أسس النحت على يد رودان.
لكنه بدأ ينأى بنفسه عن أسلوب النحّات الفرنسي تدريجيا، ليختار أسلوبا أكثر بساطة واقلّ من حيث العناصر، سعيا وراء ما كان يعتبره شكلا نقيّاً.
منحوتات برانكوزي تتّسم بالحميمية وبالأناقة البصرية وغلبة الطابع التجريدي عليها. وهناك من يعتبرها من أهمّ إبداعات حركة النحت الحديث.
كان النحّات معروفا بحرصه على أن يلتقط بنفسه صورا فوتوغرافية لمنحوتاته لدواعي حصرها وتوثيقها.
وقد عمل معه في إحدى الفترات النحّات الياباني نوغوتشي الذي تعلّم على يد برانكوزي أساليب وتقنيات الحفر على الحجر والخشب.
وفي باريس كوّن صداقات مع عدد من الرسّامين المعروفين في ذلك الوقت مثل موديلياني ودوشان وماتيس وهنري روسّو.
كان اسم برانكوزي قد بدأ في الانتشار والذيوع بفضل اجتهاده وعصاميّته بالإضافة إلى دعم رعاته الذين ساندوه وآزروه.
وفي الثلاثينات، كلّفه احد مهراجات الهنود بالذهاب إلى الهند للقيام بأعمال النحت في احد المعابد الهندوسية.
كما تجوّل في العديد من العواصم الأوربية مثل ميونيخ وفيينا وبودابست. وزار نيويورك مرارا حيث عرض فيها عددا من أعماله.
بدأ برانكوزي الاشتغال على فكرة "الطائر أثناء طيرانه" منذ بداية أربعينات القرن الماضي. واستغرقه ذلك عشر سنوات كاملة. وكان يركّز في عمله على حركة الطائر أكثر من خصائصه وسماته الجسدية.
في هذه المنحوتة لا نرى أجنحة أو ريشا، بل جسم مستطيل يأخذ الرأس فيه شكلا بيضاويا شبيها بذلك الذي للطائرة.
ومن الواضح أن تطلّعات الفنان الروحية وتوقه للتسامي فوق العالم المادي وقيوده الكثيرة تجسّدت في هذا العمل النحتي الجميل.
المعروف أن برانكوزي أنجز ضمن هذه السلسلة ستّ عشرة منحوتة من البرونز والرخام تمّ صقلها وتنعيمها بعناية وإتقان.
وقبيل وفاته في العام 1957، أوصى بأن يؤول الاستديو الخاصّ به إلى متحف باريس للفنون شريطة أن يُضمّ الاستديو بالكامل إلى المتحف. وهناك اليوم من يشبّه مكانة برانكوزي في النحت بمكانة بيكاسو في الرسم الحديث.


الفتاة ذات القرط اللؤلؤي للفنان الهولندي يـوهـان فيـرميــر


كلّ ما يمكن ذكره عن هذه اللوحة الشهيرة هو أنها اشتريت لاول مرة في بدايات العام 1882 في مزاد بمدينة لاهاي لحساب مجموعة دي تومب التي كانت مفتوحة للعامة.
هذه اللوحة الرائعة أصبحت اليوم بحالة سيّئة بسبب ظروف الحفظ الرديئة وعمليات الترميم المكثفة التي خضعت لها.
وعندما أعيد اكتشاف هذه اللوحة أصبحت مشهورة جدّا لدرجة أن يعض نقاد الفن المتحمسين أطلقوا عليها "موناليزا الشمال".
ولحسن الحظ ما تزال النسخة الأصلية من اللوحة تحتفظ بما يكفي لان يستمتع الناظر بمشاهدة عمل فنّي نادر وغريب معا.
تقف الفتاة أمام خلفية محايدة، مظلمة إلى حد ما، تاركة أثرا قويا ذا بعد ثلاثي.
وعند النظر إلى اللوحة جانبيا، تبدو الفتاة وهي تنظر إلينا بينما افترّت شفتاها قليلا كما لو أنها على وشك أن تقول شيئا. انه الأسلوب المخاتل والغامض الذي يتّسم به الفن الهولندي.
في اللوحة تميل الفتاة رأسها قليلا إلى جنب كما لو أنها مستغرقة في التفكير، ومع ذلك تظلّ نظراتها ثابتة.
وهي هنا ترتدي معطفا بنيا يميل إلى الصفرة ومن دون زركشة، بينما توفّر الياقة البيضاء المشعّة عنصر تباين واضح مع ألوان المعطف.
أما العمامة الزرقاء فتوفر تباينا آخر مع شريط القماش الليموني المنسدل من رأسها حتى منكبيها.
استخدم فيرمير في هذه اللوحة الألوان الأصلية للحدّ من نطاقات تدرّج الألوان. وجاء غطاء رأس الفتاة ذا تأثير غريب إلى حد ما.
في تلك الأيام كان غطاء الرأس موضة شائعة عند النساء الأوربيات.
وخلال الحرب ضد الأتراك ثبت أن أساليب الحياة واللباس الخاصة بـ "أعداء المسيحية" أي الأتراك كانت أمورا ُينظر إليها بافتتان شديد.
في هذه اللوحة هناك ملمح ملحوظ وخاص ألا وهو قرط اللؤلؤ الضخم على شكل دمعة الذي يتدلى من أذن الفتاة وقد ظهر جزء منه باعثا بريقا ذهبيا في ذلك الجانب من العنق الذي يقع في الظلّ.
ومن الواضح أن قرط اللؤلؤ في لوحة فيرمير هو رمز للعفة والطهر، ولذلك معنى روحيّ مستمدّ من قصّة النبي اسحق الذي أرسل إلى ريبيكا العفيفة قرطا من اللؤلؤ تعبيرا عن محبّته لها.
وبالإضافة إلى القرط، يظهر أن غطاء الرأس الذي تضعه الفتاة هو تأكيد آخر على البعد الشرقي للقصّة.
وربما تكون اللوحة قد ُرسمت بمناسبة زواج هذه المرأة الشابة.
وفي النهاية لا بد وان يعجب المرء بالتكنيك الفني الذي اتبعه فيرمير في اللوحة من حيث وضع الألوان بطريقة متجاورة وإذابتها لتجنّب رسم خطوط مستقيمة ولإنتاج تأثير ظلي جميل.


الفـــردوس للفنان الأمريكي جيفري بيدريك

ولد جيفري بيدريك في العام 1960 ولقيت موهبته الفنية اعترافا مبكرا، أي منذ حوالي منتصف السبعينات.
انتج الفنان لوحات فنية كثيرة تعالج مواضيع متعدّدة ومتنوّعة، كما أقام معارض عديدة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وبيدريك مصنف ضمن قائمة اشهر ألفي فنان ومصمّم في القرن العشرين.
لوحته "الفردوس" هي اشهر أعماله الفنية وأكثرها رواجا وتداولا، وهو في اللوحة يجمع بين تأثيرين مختلفين: الأول يتمثل في أسلوب فنان الفانتازيا الكبير ماكسفيلد باريش، والثاني أسلوب زميله السوريالي نك هايد.
فكرة هذه اللوحة استمدها الفنان من الأسطورة الإغريقية القديمة عن حدائق الفردوس Elysian Fields التي يذكر هوميروس أن بها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من صنوف المتع والملذات.
وطبقا للأساطير اليونانية يقع الفردوس في أقصى الطرف الغربي من الأرض على ضفاف نهر اوقيانوس.
في تلك البقعة التي يذهب إليها الصالحون والأتقياء بعد موتهم لا عواصف ولا ثلج ولا حرارة ولا برد، بل هواء منعش معتدل تحمله نسائم المحيط، وأنهار من حليب وعسل وبساتين من أعناب وفاكهة من كل صنف ولون.
والفردوس هو مستقر الأرواح وارض الأبطال والشعراء والكهان الذين لا يموتون بل يحيون حياة أبدية.
هنا عاش اخيل مستمتعا بالصيد والطعام والشراب الوفير، وفي حدائق الفردوس كان يتجوّل هرقل بصحبة غيره من الأبطال والشعراء مستمتعين بالمروج الخضراء والفاكهة اللذيذة والهواء المنعش الواهب للحياة وأشعة الشمس الأرجوانية وأنغام الموسيقى التي تتردّد أصداؤها في سماء الفردوس.
من الواضح أن حدائق الفردوس تشبه ما رسخ في أذهان معظم الناس عن الجنّة، فلا يدخلها سوى كل تقيّ صالح، أما الأشرار الفاسدون فيذهبون إلى "تارتاروس" حيث يتعرّضون هناك لعذاب النار الأبدية.
في اللوحة المتوهجة بالأزرق وظلاله، تبدو الجنة معلنة أمجاد الإله، والسماوات لاهجة بجمال صنع يد الخالق، وكأن العالم الروحي يشبه في بهائـه وتساميه العالم الطبيعي، حيث الجبال والمروج والتلال والأنهار والحدائق والسهول والبحيرات.
والفارق الوحيد بين العالم الروحي والطبيعـي هو أن عناصر العالم الأول ليست ثابتة أو استاتيكية وإنما محكومة بخصائص عالم الروح.
تحـدّث عن حدائـق الفردوس الكثير من الفلاسفة والكتـاب أمثال هوميـروس وفرجيل ودانتي وفريدريش شيللر وأطلـق الفرنسيون هذا الاسـم على اكبـر شوارع عاصـمتهم: الشانزيليزيه Champs-Élysées
لوحة الفردوس لجيفري بيدريك حقّقت رواجا كبيرا في فترة وجيزة، بسبب فرادة موضوعها وجمال تنسيق العناصر والألوان فيها وعلى نحو يبعث في النفس الراحة والسكينة.



الصّــرخــة للفنان النرويجي إدفـارد مونـك

الصرخة هي اشهر أعمال الفنان ادفارد مونك.
وقد اكتسبت هذه اللوحة، رغم بساطتها الظاهرية، شعبية كاسحة خاصة منذ الحرب العالمية الثانية.
ربّما يعود سبب شهرة هذه اللوحة إلى شحنة الدراما المكثفة فيها والخوف الوجودي الذي تجسّده.
في الجزء الأمامي من اللوحة نرى طريقا يحفّه سياج حديدي، وعبر الطريق نرى شخصا يرفع يديه بمحاذاة رأسه بينما تبدو عيناه محدقتين بهلع وفمه يصرخ.
وفي الخلفية يبدو شخصان يعتمران قبعتين، وخلفهما منظر طبيعي من التلال.
كتب ادفارد مونك في مذكراته الأدبية شارحا ظروف رسمه لهذه اللوحة: "كنت امشي في الطريق بصحبة صديقين، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، عندما غمرني شعور بالكآبة. وفجأة تحولت السماء إلى احمر بلون الدم. توقفت وأسندت ظهري إلى القضبان الحديدية من فرط إحساسي بالإنهاك والتعب. واصل الصديقان مشيهما ووقفت هناك ارتجف من شدة الخوف الذي لا ادري سببه أو مصدره. وفجأة سمعت صوت صرخة عظيمة تردّد صداها طويلا عبر الطبيعة المجاورة".
عندما يتذكر مؤرخو الفن ادفارد مونك فانهم يتذكرونه بسبب هذه اللوحة بالذات، ربما لأنها لا تصوّر حادثة أو منظرا طبيعيا، وانما حالة ذهنية.
الدراما في اللوحة داخلية، مع أن الموضوع مرتبط بقوة بطبوغرافية أوسلو مدينة الفنان.
والمنظر الطبيعي المسائي يتحول إلى إيقاع تجريدي من الخطوط المتموجة، والخط الحديدي المتجه نحو الداخل يكثف الإحساس بالجو المزعج في اللوحة.
لوحة الصرخة لادفارد مونك تحولت منذ ظهورها في العام 1893 إلى موضوع لقصائد الشعراء وصرعات المصممين، رغم أن للفنان لوحات افضل منها وأقل سوداوية وتشاؤما.


شقيقتـان في ُشـرفـة للفنان الفرنسي بييـر رينـوار

بدأ رينوار حياته في زخرفة أواني المرمر لكن طموحه وطبيعته دفعاه إلى الصفوف الأولى بسرعة.
وكانت نقطة التحوّل الكبرى في مسيرته الفنية عندما احدث هو ومجموعة من زملائه ثورة فنية كبرى سميت في ما بعد بالانطباعية.
لم يحذُ رينوار حذو الكلاسيكيين الذين عنوا بالألوان الفاتحة والظلال المتدرجة وصولا إلى أفق اللوحة، بل كان يرى أن الألوان المتناثرة في الخلفية لها نفس كثافة الألوان التي تظهر في الواجهة، مما يعطي اللوحة وضوحا غير عادي.
شقيقتان في ُشرفة هي واحدة من اشهر الأعمال الفنية التي أنجزها الفنان في العام 1881م.
هذه اللوحة هي اليوم من مقتنيات معهد شيكاغو للفنون، وفيها يحاول رينوار إبراز انطباع فتاتين في يوم دافئ جميل.
الشقيقتان تجلسان في شرفة أمام منظر طبيعي، والكبرى منهما ترتدي ملابس تبدو رسمية إلى حد ما فيما توجّه نظراتها إلى ما وراء الأخت الصغيرة.
استلهم رينوار المنظر من شاتو وهو اسم الضاحية التي قضى فيها شطرا من ربيع ذلك العام.
لوحات رينوار تتميّز بحيويّتها ونزوعها نحو الطبيعة وتماسّها المباشر بالواقع وخلوّها من مشاهد العنف. فقط ضربات ناعمة بالفرشاة ولمحات شاعرية أنيقة تفيض بحبّ مبدعها الجارف للحياة وللكائنات.


القبــلة الأولــى للفنان الفرنسي ويليـام بـوغـورو

كان الفنان ويليام بوغورو يركّز في أعماله الفنية على رسم الأشخاص. غير انه اشتهر أيضا برسم لوحات تصوّر الملائكة وحوريات البحر والمخلوقات الأسطورية.
ولوحة "القبلة الأولى" تعتبر من أعماله الجميلة التي لقيت على الدوام شهرة ورواجا كبيرَين.
اللوحة تصوّر ملاكَين صغيرين يحتضن كلّ منهما الآخر. وقد استخدم بوغورو هنا ألوانا شاحبة، خاصّة الأبيض وتدرّجاته، للتأكيد على رقّة الموضوع ولجعله يبدو ذا مسحة مقدّسة وبريئة.
القماش الأزرق الذي يجلس عليه الملاكان يحيل اهتمام الناظر تلقائيا إلى الغيمة التي تقوم بوظيفة المقعد. بينما استخدم الرسّام في أسفل اللوحة تدرّجات داكنة لإنتاج تأثير ظلّي يعطي الغيمة عمقا ونسيجا اكبر.
وقد رُسم الملاكان بهيئة عارية جزئيا لإضفاء إحساس بالبراءة والبساطة والطهر. أما لون الشعر البنّي الناعم فيبرز التباين الحاصل مع الخلفية البيضاء للغيوم بطريقة فيها تناغم وانسجام.
الفارق الوحيد بين الملاكين في اللوحة هو الأجنحة. فالولد له جناحان أبيضان بالكامل وبريش طويل. ويبدو جناحاه اقرب ما يكونان إلى جناحي الإوز. أما البنت فقد ظهر جناحاها بتدرّجات لونية أغمق قليلا وهما أشبه ما يكونان بجناحي فراشة.
أظهر ويليام بوغورو ميلا للرسم وهو ما يزال في سنّ مبكّرة. وخلال فترة دراسته في مدرسة الفنون كان تميّز أسلوبه الفني محلّ اهتمام أساتذته وزملائه.
وفي احد الأوقات ذهب إلى روما حيث درس هناك لوحات غيوتو وغيره من كبار رسّامي عصر النهضة الايطالي.
وعندما عاد إلى باريس كلّفته الدولة برسم لوحة تظهر نابليون وهو يزور ضحايا الفيضان في تاراسكون. كما عمل لبعض الوقت في تزيين أسقف وديكورات بعض الكنائس والمسارح.
في بعض لوحات بوغورو براءة واضحة. بينما تعكس بعض أعماله الأخرى مزاجا لعوبا ومتفائلا يحاكي الجانب الخفيف من الحياة.
وهو كان ميّالا لتضمين لوحاته صورا لأطفال وحوريات وملائكة. وقد يكون هذا احد أسباب شعبيّتها ورواجها وقربها من قلوب الناس.
وقد عُيّن في نهايات حياته أستاذا في كليّة الفنون الجميلة في باريس. وأثناء عمله بالتدريس استمرّ في رسم وعرض لوحاته حتى وفاته.
يُذكر أن لوحات بوغورو كانت تروق كثيرا لجامعي الأعمال الفنية من الأمريكيين والأوربيين. وبعد وفاته ظلت أعماله تستهوي قطاعات لا بأس بها من النقّاد والناس. غير أن الكثيرين بدءوا يديرون ظهورهم للرسم الكلاسيكي مع تزايد الطلب على الفنّ الذي يصوّر مظاهر الحياة الحديثة، وبخاصّة لوحات الانطباعيين.
وكان الانطباعيون يرون في أعمال بوغورو تجسيدا لكل ما كانت المدرسة الفنية الوليدة تعاديه وتعارضه، ابتداءً من المضمون السردي والتكنيك الصارم إلى الإغراق في الشعرية والتعويل كثيرا على التقاليد. وما عمّق العداء أكثر ما كان يقال وقتها عن ارتباط الفنّ الأكاديمي بالقيم والرموز البورجوازية والإقطاعية.
في هذه اللوحة، يبدو الانطباع المرسوم على وجه الملاك الأنثى مثيرا للاهتمام بشكل خاصّ. ومن الصعب معرفة نوع الانفعال المرتسم على وجهها، أو ما إذا كان تعبيرا عن الرضا أم اللامبالاة.
لكن طبقا للعلاقة بين لغة الجسد والأفكار والمشاعر الشخصية، فإن الفتاة تبدي تجاهلا تامّا للفتى الذي يهمّ بتقبيلها. يمكن افتراض هذا لأنها لا تبادله الاحتضان ونظرها مركّز إلى أسفل دون أن تبتسم وكما لو أنها تحاول إبعاد نفسها عنه.
ومع هذا فإن ما سبق يعتبر مجرّد تفسير واحد فقط لهذا العمل الفنّي الجميل الذي يحتمل أكثر من قراءة وتفسير.
كان ويليام بوغورو يرسم عالما من المثالية والكمال. كانت مناظره الواقعية تبعث نسغ الحياة في نسائه وفتياته الجميلات بطريقة كانت تسحر كثيرا هواة شراء الأعمال الفنية وعامّة الناس على السواء.
وكان حريصا على أن تبدو فلاحاته من النساء الصغيرات بأقدام وملابس نظيفة ووجوه باسمة مشرقة دون أن تظهر عليهن علامات تشي بالفقر أو الحاجة.
في أخريات حياته توفّيت زوجته تاركة له خمسة أطفال، فتزوّج للمرّة الثانية من إحدى زميلاته ممّن سبق لها أن درست على يده.
وقد ظلّ بوغورو وفيّا للأسلوب التقليدي في الرسم حتى وفاته في العام 1905 إثر نوبة قلبية عن 80 عاما.


تمـثـال المفـكـّـر للنحات الفرنسي اوغست رودان

يعتبر هذا التمثال الشهير افضل تحفة فنية تعبّر عن عملية التفكير عند الإنسان وتجسّد قوّة العقل ودوره في إبداع الأفكار
أنجز اوغست رودان تمثال "المفكر" في نهايات القرن التاسع عشر واستغرق العمل عليه عشر سنوات، ومنذ ذلك الحين ينظر إلى التمثال باعتباره أحد افضل الأعمال النحتية على مرّ العصور
ولد رودان في باريس ونشأ فيها، ومنذ صغره كان يريد أن يصبح فنانا، غير أن مدرسة الفنون في باريس رفضت قبوله كطالب، فعمل كحرفي وقاطع أحجار قبل أن يلتحق للعمل بأحد الأديرة
وهناك لاحظ رئيس الدير ميله للنحت وشجّعه على أن يصبح نحاتا، فتعلم رودان طريقة شقّ الحجر وصبّ الفولاذ في الفجوات وغيرها من المهارات الفنية اللازمة في النحت
تمثال المفكّر عمل نحتي عظيم، وقد قصد رودان ألا يطلق عليه اسم مفكّر أو فيلسوف محدّد، بل فضّل أن يمثل الإنسان، كل إنسان، من حيث كونه عقلا يفكر ويتأمل ويبدع
ويكمن نجاح رودان في انه تمكّن من تمثيل شئ لا يمكن رؤيته أو لمسه، وهو عملية التفكير نفسها
والتمثال يظهر رجلا ضخم الجثة ومسندا رأسه إلى يده وهو مستغرق في التفكير العميق، بل إن أصابع قدميه منغرسة في الأرض من فرط تركيزه واستغراقه
تأثر رودان بواقعية مايكل انجيلو لكنه كان أيضا مهتما بأعمال الانطباعيين الذين كانوا يعيشون في باريس آنذاك
تمثال "المفكّر" لأوغست رودان هو اليوم من مقتنيات متحف المتروبوليتان في نيويورك

ليلـة مرصّعـة بالنجـوم للفنان الهولندي فنسنـت فــان غــوخ

تعتبر لوحة "ليلة مرصّعة بالنجوم" اشهر أعمال الفنان فنسنت فان غوخ، ومن السهل التعرف على هذه اللوحة بسبب أسلوبها المتفرد، ومع مرور الأيام أصبحت موضوعا لقصائد الشعر والروايات و المقطوعات الموسيقية .
وبينما لا يوجد من ينكر الرّواج الواسع لهذه اللوحة، فمن المثير للاهتمام أن نلاحظ انه لا يتوفّر سوى معلومات قليلة جدا عن شعور الفنان فان غوخ تجاه هذه اللوحة.
فهو لم يذكرها سوى مرّتين في رسائله وبصورة عابرة.
رسم فان غوخ "ليلة مرصّعة بالنجوم" في ظروف كان سلوكه خلالها يتسم بغرابة الأطوار بسبب شدّة النوبات التي كانت تجتاحه. وقد رسم اللوحة من الذاكرة وليس في الطبيعة الخارجية كما هو الحال مع لوحاته الأخرى. وهذا يفسّر - ربّما - سبب التأثير الانفعالي القويّ لهذه اللوحة والذي يفوق تأثير كافة أعماله الأخرى في نفس الفترة.
ويتساءل النقاد عما إذا كان الأسلوب الهائج الذي رسم به فان غوخ هذه اللوحة يعكس عقلية معذّبة أو ما إذا كانت اللوحة تخفي سرّا ما هو الذي دفع الفنان إلى تصوير السماء الليلية بتلك الصورة الثائرة والمضطربة.
لكن مما لا شك فيه أن هذا الجدل هو أحد الأسباب التي حدت بالنقاد إلى اعتبار هذه اللوحة بالذات اشهر أعمال فان غوخ على الإطلاق وأكثرها قابلية للتفسيرات والمعاني.
بعض النقاد توقّفوا عند الأحد عشر نجما الظاهرة في اللوحة، وتحدّثوا عن إمكانية أن يكون الفنان تأثر بقصة يوسف في العهد القديم، رغم حقيقة أن فان غوخ لم تكن له ميول دينية قوية في العام 1889 الذي رسم فيه اللوحة.
لكن أيا ما كانت التفسيرات أو المعاني الحقيقية للوحة، فقد أصبحت إحدى اشهر واهم الأعمال الفنية التي أنجزت في القرن التاسع عشر.
في اللوحة نجد الهدوء والفوضى، السلام والاضطراب الكوني.. جنبا إلى جنب. فالسماء تضطرب باللون الأصفر المحترق والمرتفعات تميد وتهتز، بينما تبعث الألعاب النارية الذهبية والمنطلقة باتجاه السماء الزرقاء شعورا بالارتياح النسبي.
بعض دارسي الفن يقولون إن فان غوخ أراد في الواقع أن يوصل مشاعره في اللوحة بطريقة اكثر قوّة ومباشرة مما تستطيعه الكلمات، وان الأمر لا يتعلق بالشعور بالإحباط أو أعراض الهلوسة، وانما بإحساس الفنان بالأمل كدافع لمحاربة اليأس.
فاللوحة تضجّ بالحيوية والقوّة التي تشير إلى حضور الخالق، فالنجوم لا تشعّ فقط وانما تتفجّر بالشعاع الأخاذ، والأرض تبدو كما لو أنها تستجيب لحركة السماء مشكلة أمواجها الحيّة في الجبال والأشجار التي تحتها.
وفي القرية النائمة، تشعّ نوافذ البيوت بالنور الذي يضئ الكون، بينما بدا برج الكنيسة كما لو انه يجاهد ليشير إلى الخالق؛ الحاضر الحيّ في هذا المشهد الكوني الاحتفالي الفريد.
وتظلّ لوحة "سماء مرصّعة بالنجوم" تثير الجدل والأسئلة والتفسيرات المختلفة والمتناقضة.


تنسيق باللونين البنّي والأسود "بورتريه لأم الفنان" للفنان الأمريكي جيمـس ويسلـر


هذه اللوحة الشهيرة لها اسم آخر أكثر اختصارا هو "والدة ويسلر". وقد أصبحت أيقونة ترمز للفنّ الأمريكي بعد أن طافت على عدد من متاحف العالم الكبيرة.
ولد جيمس ويسلر في الولايات المتّحدة، لكنه غادرها في سنّ الحادية والعشرين ليستقرّ في أوربا متنقلا ما بين لندن وباريس.
في لندن أصبح ويسلر صديقا للرسّام دانتي غابرييل روزيتي والكاتب الايرلندي اوسكار وايلد.
وفي باريس أقام علاقة طيّبة مع مانيه وديغا.
وعندما كان في لندن، كانت والدته آنا ما تزال تعيش في الولايات المتحدة. كانت آنذاك أرملة مسنّة وكان أبناؤها قد أصبحوا كبارا. في ذلك الوقت كانت الحرب الأهلية الأمريكية في ذروة استعارها. وقد اقنع الفنان والدته بالمجيء إلى لندن حيث أقامت معه حتى وفاتها.
وعندما رسمها كانت في سنّ السابعة والستين.
وقد حاول ويسلر في اللوحة نقل شخصية والدته البروتستانتية الوقورة. واختار أن يرسمها في وضع جانبي وهي ترتدي فستانا اسود وغطاء رأس ابيض بينما أمسكت بيدها منديلا حريريا ابيض.
ملامح المرأة جامدة وقد لا تعبّر عن انفعال محدّد.
ومما يلفت الانتباه في هذا العمل جمال ورقّة التباين بين الألوان الغالبة على اللوحة، خاصّة الأسود والرمادي والأبيض. ولم ينسَ الرسّام أن يضمّن اللوحة إحدى لوحاته المشهورة التي تبدو معلقة على الجدار.
كان ويسلر من المدافعين الأقوياء عن مدرسة الفنّ للفن، بدليل الاسم الطويل والغريب الذي أطلقه على اللوحة. وهو اسم يحمل تحدّيا واضحا لأسلوب التسميات التقليدية ويحاكي في نفس الوقت العناوين "اللونية" للسيمفونيات والمؤلفات الموسيقية التي وضعها مؤلفون موسيقيون ينتمون إلى هذه المدرسة.
وعندما عُرضت اللوحة في باريس استقبلت استقبالا حسنا ثم اشتراها متحف لوكسمبورغ بمبلغ ستمائة دولار.
لكنها انتقلت في ما بعد إلى متحف اورساي في باريس حيث ظلّت فيه إلى اليوم. وهي من اللوحات ذات الشعبية الكبيرة في أمريكا. حيث ظهرت على الطوابع البريدية وأصبحت رمزا مصاحبا لاحتفالات عيد الأم. كما ظهرت في العديد من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية.
وحتى اليوم ما يزال ُينظر إلى اللوحة في الولايات المتحدة باعتبارها رمزا للأمومة والتعاطف والرفق بالوالدين والقيم العائلية بشكل عام.
وقد اجتذبت اللوحة عددا كبيرا من الفنانين الذين قلّدوها ونسجوا على منوالها من حيث الألوان والخلفية وطريقة جلوس السيّدة.
عاصر ويسلر الانطباعية غير انه لم يتأثّر بها بل فضّل أن يختط لنفسه أسلوبا مستقلا.
وقد كان يتبنّى أفكارا تجديدية في اللون والتوليف تأثّر بها بعض معاصريه من الفنانين ومن أتوا بعده.
ويقال انه لم يتلقّ أبدا التقدير الذي يستحقّه. وفي بعض المرّات انتقدت لوحته هذه بسبب ما قيل عن انعدام العاطفة والدفء الإنساني فيها. وهو ما لا يتوقّعه الناس من فنّان يرسم أمّه، كما قال منتقدوه.
غير انه كان يردّ دائما بأن الجمهور لا يهتمّ عادة بهويّة الشخص المرسوم أو بطبيعته علاقته بالرسّام.
أثناء إقامة ويسلر في باريس كانت موديله المفضّلة جوانا هيفرنان التي ظهرت في بعض لوحاته الباريسية وأصبحت فيما بعد عشيقته.
لكنه تخلّى عنها بعد أن اكتشف أنها هي الموديل التي استخدمها غوستاف كوربيه في لوحته "أصل العالم" التي جلبت عليه غضب وسخط الكثيرين.
وقد قطع ويسلر علاقته بالاثنين في ما بعد. وقيل إن سبب نقمة ويسلر على هيفرنان انه صُدم بتحرّرها المبالغ فيه وربّما كان يتوقّع منها أن تكون بحشمة وورع أمّه.

ابــن الإنســان للفنان البلجيكي رينـيـه مـاغـريـت

ولد رينيه ماغريت في العام 1898 ودرس الرسم في بروكسل.
ومنذ أعماله الأولى سيطر على فنه أسلوب قريب جدّا من السوريالية، وطبع هذا الأسلوب جميع أعماله في ما بعد.
عُرف ماغريت بدقته ومهارته الفنية، وقد اشتهر بأعماله التي حاول فيها التقريب بين عناصر عادية في سياق غير مألوف لتعطي في النهاية معاني جديدة. ثم أصبح رائدا لهذا الاتجاه في الرسم الذي أطلق عليه في ما بعد الواقعية السحرية.
"ابن الإنسان" هي احد أشهر أعمال ماغريت، وفيها يظهر رجل يعتمر قبّعة ويقف أمام جدار. لكنّ معالم وجه الرجل تحجبها عن الناظر تفّاحة خضراء.
وللتفّاحة أهمّية خاصّة عند ماغريت إذ تظهر كعلامة فارقة في الكثير من لوحاته. ويمكن فهمها وطبيعة وظيفتها ضمن سياقات مختلفة ومتعدّدة. فالتفاحة فاكهة لكنها بنفس الوقت صورة مجازية لأشياء أخرى كالجاذبية والإغراء والخطيئة أو الطرد من الجنّة. كما يمكن أن تكون رمزا لاختراع أو ابتكار ما أو نظرية أو فكرة علمية.. إلى آخره.
يقول ماغريت محاولا مساعدة الناس على فهم هذه اللوحة: "كل شئ نراه يخفي خلفه شيئا آخر، والإنسان يتوق على الدوام إلى رؤية ما يختفي وراء ما يراه"!
وهناك من يعتقد أن العنوان "ابن الإنسان" قد يكون مستمدّا من الإنجيل، أي أن ابن الإنسان ربّما يكون الإنسان الأول، أي آدم.
وقد يكون المعنى الكامن في صورة الرجل الذي يبدو بلا وجه أو ملامح، هو أن خطيئة آدم مستمرّة، فهو قد أكل الفاكهة المحرّمة، وابنه قابيل قتل أخاه هابيل.
أما البدلة الحديثة التي يرتديها الرجل فثمّة احتمال أنها تشير إلى أن الخطيئة سافرت عبر العصور لتصل إلى عصرنا بحيث لا يمكن الهروب منها. فهي معنا أينما وقفنا، وستظلّ هناك أمام وجوهنا تذكّرنا نحن أبناء الإنسان بخطيئة أبينا الأكبر.
وأيّاً ما يكون المعنى الذي أراده ماغريت من وراء هذه اللوحة، فقد عُرف عنه نفوره من التفسيرات التي يرى أنها تخفّف من غموض لوحاته.
في عالم ماغريت، يظهر الأشخاص بهيئة موظفي المكاتب في خمسينات القرن الماضي. فهم بورجوازيون تعلو رؤوسهم قبّعات اسطوانية سوداء وتطوّق أجسادهم بدلات ضيّقة محكمة الأزرار.
وهم محصورون داخل ما يشبه غابة من الحجارة الصلدة الباردة. لكنهم ما يزالون يحتفظون بجزء من إنسانيتهم يتمثل في قدرتهم على التخيّل. فهم يتمتعون بخيال خصب وأرواحهم تحلّق عاليا مثل حمامات بيضاء.
وفي غالب الأحيان تكون ملامح الأشخاص محجوبة عنا، كما هو الحال في هذه اللوحة. وأحيانا لا نرى منهم سوى ظهورهم، الأمر الذي يوحي بأنهم إما منشغلون بالنظر إلى المستقبل أو أنهم لا يعبئون بالماضي أو أن فكرتهم عن العالم مقتصرة فحسب على ما يرونه أمامهم.
توفي رينيه ماغريت في العام 1967. لكن لوحاته ما تزال تحظى بالشعبية والاهتمام رغم غموضها واستعصائها على التفسير في الكثير من الأحيان.

عائلة لاعبي السيرك المتجوّلين للفنان الإسباني بابلـو بيكـاسـو

يعتبر بابلو بيكاسو أحد اكثر الفنانين نشاطا وتأثيرا خلال القرن الماضي، وقد أحرز نجاحات كثيرة في ميادين الرسم والنحت والسيراميك، كما تمرّس في العديد من الأساليب الفنية لكنه برز على نحو خاص في الرسوم التعبيرية وابتكر ما ُسمي في ما بعد بالتكعيبية.
درس بيكاسو الرسم في أكاديميتي برشلونة وسان فرناندو في مدريد، وفي العام 1899 كانت دائرة أصدقائه تضم الفنانين والكتاب الطليعيين الشباب الذين كانوا يسافرون ما بين مدريد وبرشلونة وباريس.
في 1904 انتقل بيكاسو إلى باريس واستقر في حي مونمارتر الذي تقطنه الطبقة العاملة فاختلط بهم وتشرّب ثقافتهم تدريجيا. ورغم أن بيكاسو استفاد كثيرا من أجواء باريس فانه كان ما يزال يشعر بالتعاسة والوحدة والفقر.
في السنة التالية كانت أعمال بيكاسو تتسم بغلبة اللون الزهري عليها ، ومن هنا سميّت تلك المرحلة بالمرحلة الزهرية، وجزء كبير من رسوماته التي أنجزها في تلك المرحلة كانت تعالج قضايا المشرّدين والمهمشين ولاعبي السيرك.
واللوحة المختارة هنا تنتمي لتلك المرحلة واسمها "عائلة لاعبي السيرك المتجولين" وهي تصوّر جماعة من لاعبي السيرك، لكن بيكاسو أراد أن تكون اللوحة تعبيرا مجازيا عن الفنان الحديث الذي لا جذور له حيث لا يعمل تحت رعاية ملك أو نبيل أو كنيسة، فالحداثة، طبقا لبيكاسو، حالة تشرّد وعزلة.
أما الأشخاص الظاهرون في اللوحة فهم بيكاسو نفسه واصدقاؤه، حيث يرتدي هو ثياب المهرّج، إلى اليسار، ثم هناك ابولينير الشاعر والناقد وأول من ابتكر مصطلح السوريالية، والشاعران اندريه سالمون وماكس جيكوب ويمثلهما الولدان الصغيران، أما الأنثى الجالسة إلى اليمين فهي فرناند خليلة بيكاسو، والطفلة الصغيرة التي تمسك بيد المهرج هي ابنة بيكاسو وفرناند بالتبني.
أما الحيز الفارغ إلى أعلى فيرمز للغياب النسبي للأفكار التي رافقت المرحلة الزرقاء: الشعور بالتوق والوحدة والنبذ والخواء.
والأشخاص هنا اكثر تحديدا ووضوحا من أشخاص المرحلة الزرقاء الذين كانوا يتّسمون بالتشوهات المؤلمة.
ورغم أن الألوان أصبحت فاتحة اكثر مع ألوان زهرية اكثر دفئا، فان المزاج السائد ما يزال سوداويا إلى حدّ ما مع إحساس بالارتياح النسبي المشوب بالمرارة.
استمرت المرحلة الزهرية سنة واحدة فقط بعد المرحة الزرقاء لكن بيكاسو لم يعد يشعر بالغربة فقد اصبح له صديقة وعائلة من نوع ما، واصبح يقضي بعض الوقت في السيرك لاكتساب أصدقاء جدد.
الأرض التي يقف عليها الأشخاص في اللوحة منعزلة ونائية، ورغم أن بيكاسو يربط كل واحد منهم بالآخر وفق وضع محسوب بعناية، فان كل شخص منهم منعزل نفسيا عن الآخرين. وفي المرحلة الزهرية ابتعد بيكاسو عن الصور المثيرة جدا للشفقة، ففي هذه اللوحة يسود جو هو مزيج من الاستبطان والتأمل الحزين.
وختاما، قد لا تكفي لوحة واحدة ولا موضوع واحد للتعبير عن عبقرية هذا الفنان الكبير والأثر الضخم الذي تركه على حركة الفن التشكيلي في العالم.


امـرأة بمظلـة "مدام مونيه وابنها" للفنان الفرنسي كـلـود مـونيـه

مونيه بالنسبة للكثيرين هو واسطة العقد بين جميع الفنانين الانطباعيين، وكلّ عمل من أعمال هذا الفنان الاستثنائي هو عالم قائم بذاته.
ومعظم نقاد الفنّ يجمعون على اعتبار هذه اللوحة احد اشهر وأفضل أعماله. ويمكن التدليل على ذلك بما حققته اللوحة من ذيوع وانتشار كبيرين. وبالإمكان رؤيتها على أغلفة العديد من الروايات العاطفية وكتب النقد الفني وأقراص الموسيقى المدمجة وخلافها.
في هذه اللوحة يلخّص مونيه المفهوم الانطباعي عن اللمحة الخاطفة. فاللوحة توصل بطريقة رائعة الإحساس باللقطة عندما تقتنص في اللحظة المناسبة خلال رحلة لزوجة الفنّان وابنه في يوم مشمس جميل.
طريقة رشّ الألوان النابضة والخفيفة تلعب دورا رئيسيا في خلق شعور بالتلقائية. ومن الصعب ونحن نتمعّن في هذه اللوحة أن نتبيّن إلى أين ستنتهي الغيوم الخفيفة آو متى تبدأ الريح في تحريك وشاح المرأة.
الطيّات اللولبية في فستان السيّدة هي تجسيد للنسيم الذي نكاد نحسّ به هنا وهو يتخلّل ثنايا المشهد كله.
أما ضوء الشمس الآتي من جهة اليسار فيقف في مواجهة الريح القادمة من اليمين، والشمس والريح يتماسّان ليشكلا دوّامة في منتصف اللوحة تبدأ بأوراق العشب المتثنية وتنعطف عبر المساحات البيضاء في مؤخّرة الفستان وحتى أعلى المظلّة.
أما المنظر من اسفل فيضفي ظلا على صورتي المرأة والطفل ليكثف بالتالي التأثير الديناميكي للشمس والضوء.
مونيه استطاع في هذه اللوحة أن يحقّق تباينا مبهجا بين الريح والغيم والضوء وثبات ارض المرتفع، من خلال ربط كلّ هذه العناصر بوضعية شخص المرأة.
واخيرا تجدر الإشارة إلى أن مصطلح الانطباعية اشتقّ من اسم لوحة لـ مونيه بعنوان "شروق انطباعي". وقد اختير الاسم ليوضع على عجل كعنوان للدليل المصوّر الخاصّ بمعرض فنّي أقيم في باريس العام 1874م.


تشكيــل رقــم 8 للفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي

لوحات كاندينسكي ليست من ذلك النوع الذي يروق للعين أو يريح الأعصاب. بل إن بعضها محيّر ومزعج ومشوّش للذهن. والمفارقة هي أن نسخا كثيرة من لوحات هذا الفنّان التي تستعصي على الفهم أو التفسير وجدت طريقها اليوم إلى كلّ مكان تقريبا؛ من ردهات المستشفيات إلى غرف الجلوس بالمنازل إلى المكاتب وحتى إلى جدران المقاهي والمطاعم الكبيرة.
ومن السهل التعرّف على لوحات كاندينسكي وتمييزها عن لوحات سواه بدوائرها الملوّنة وزواياها وخطوطها المتعرّجة والمنحنية والمتقاطعة والمتوازية وبأصواتها وغيومها الأثيرية وذبذباتها وهالاتها المضيئة والمتوهّجة.
وينظر بعض النقاد الى كاندينسكي باعتباره احد أكثر الفنانين أصالة ونفوذا في القرن العشرين.
وقد أدّت نظريته حول "الضرورة الداخلية لتفسير الأفكار الانفعالية" إلى ظهور أسلوب تجريدي جديد في الرسم يرتكز على الخصائص اللاتمثيلية للون والشكل.
وتشكيلات كاندينيسكي كانت ذروة جهوده لإبداع "لوحات فنية نقية" توفّر نفس القوّة الانفعالية التي توفّرها المؤلفات الموسيقية.
كان كاندينسكي ينظر إلى التشكيلات باعتبارها تلخيصا لأفكاره ومواقفه الفنية، فهي تشترك في العديد من السمات التي تجسّد الأشكال التعبيرية للوعي والسموّ التمثيلي من خلال التصوير المجرّد.
ومثلما تحدّد السيمفونيات الموسيقية معالم معيّنة من تطوّر مهنة المؤلف، فإن تشكيلات كاندينسكي كانت تمثل ذروة رؤيته الفنّية في مرحلة معيّنة من مراحل مسيرته الفنية.
في لوحته هنا، يركّز كاندينسكي على الإيقاع الهندسي للتشكيل. وقد أعاد رسم هذه اللوحة عشر مرّات في العام 1923 كي يعكس من خلالها تأثير البنائية التي استوعبها في روسيا فبل أن يعود إلى ألمانيا لمزاولة التدريس.
وفي التوليف انتقل الفنان من اللون إلى الشكل باعتباره العنصر التشكيلي المهيمن. فالأشكال المتباينة توفر التوازن الديناميكي للعمل، والدائرة الكبيرة في أعلى اللوحة إلى اليسار تقابلها شبكة من الخطوط المحدّدة والدقيقة في الجزء الأيمن.
والفنان يستخدم ألوانا مختلفة داخل الأشكال لتنشيط بنائها الهندسي: دائرة صفراء بهالة زرقاء مقابل دائرة زرقاء بهالة صفراء.
أما الخلفية فمهمّتها تعزيز ديناميكية وعمق التشكيل، فيما تتراجع الأشكال وتتقدّم ضمن هذا العمق منتجة تأثير دفع وجذب ديناميكيا.
وبرأي بعض النقاد، فإن الفضل يعود لـ كاندينسكي في رسم أوّل لوحات تجريدية في تاريخ الفنّ ليصبح بعد ذلك رائد التجريدية في العالم، بل ومنظّرها الأوّل بلا منازع . لكن طموحه الفنّي ذهب به إلى أبعد من ذلك، فقد أراد استدعاء الصوت من خلال حاسّة الإبصار ومن ثم إيجاد معادل فنّي لسيمفونية لا تثير فقط العين وإنما الأذن أيضا.
كان كاندينسكي يؤمن بأن الكون واقع تحت تأثير ذبذبات صادرة عن قوى ما فوق الطبيعة وعن هالات الضوء والطاقة و"أشكال من الأفكار". وهي نفس آراء بعض الحركات الغامضة وشبه الدينية مثل الثيوصوفية التي تمارس طقوسا من التأمّل الروحي والفلسفي.
لقد أنجز كاندينسكي تجريدا صافيا عندما استبدل القلاع والأبراج العالية التي كانت تظهر في مناظره الطبيعية بكتل لونية أو بـ "أنغام وجمل موسيقية تؤلف معا أغنية "بصرية"، كما كان يراها.
وبهذه الطريقة نفسها رسم تكويناته الملتفّة مستخدما ضربات "متعدّدة الأصوات والنغمات" قوامها الأصفر الدافيء ذو التدرّجات الداكنة الذي تمّت موازنته برُقع من الأزرق "الرنّان" أو الأسود "الصامت".

العشـاء الأخيــر للفنان الإيطــالي ليــونــاردو دافـنـشـي

أصبحت هذه اللوحة واحدة من اشهر الأعمال الفنية في العالم بعد وقت قليل من إتمامها في العام 1498. ولم تفقد شيئا من ذلك البريق والوهج والشهرة حتى اليوم. وبالرغم من تغيّر الأذواق والأساليب الفنية، والتدهور الفيزيائي السريع الذي حلّ باللوحة، فإن مكانتها باعتبارها إبداعا استثنائيا لم تكن أبدا عرضة للشكّ أو التساؤل.
وأهمية "العشاء الأخير" لا تكمن فقط في الخصائص الفنية للوحة وانما في تفوّق دافنشي التعبيري. واللوحة هي تمثيل صوري بليغ للحدث الأكثر أهمية في تاريخ المسيحية. وليس هناك لوحة أخرى عن هذا الموضوع استطاعت أن تثير خيال الناس بمثل ما فعلته تحفة دافنشي هذه.
وهناك طبعات ونسخ كثيرة من اللوحة تزيّن البيوت ودور العبادة والمتاحف عبر العالم. ومع ذلك فإننا عندما نتذكّر قصّة العشاء الأخير للمسيح فإن أذهاننا تتحوّل تلقائيا إلى دافنشي ولوحته الفريدة.
هذه اللوحة كانت مثار اهتمام الكثيرين أيضا بسبب عمليات الترميم التي أجريت عليها منذ إنجازها في القرن الخامس عشر. وآخر عمليات الترميم تلك استمرّت عشرين عاما وكانت موضع جدل كبير.
واللوحة التي بقيت بعد تلك الترميمات يقال أنها "أعيد رسمها" وليس "ترميمها". ورغم أن الترميم قد يكون "عدّل" اللوحة إلى درجة ما فانه أطال عمرها لكي يمكن للأجيال القادمة أن تراها وتقدّر الإبداع المبذول فيها.
يذكر في هذا الصدد أن اللوحة نجت بمعجزة من قصف قوات الحلفاء لروما في العام 1943.
رسم دافنشي اللوحة بناءً على طلب دوق ميلانو الذي كان يريد من الفنان رسم تلك الواقعة التاريخية المهمة، وعمل دافنشي على اللوحة حوالي 18 سنة، وقد رسمها في غرفة الطعام في دير سانتا ماريا.
استخدمت اللوحة في الكثير من الإعلانات التجارية والمواد المكتوبة. ولو كان دافنشي ما يزال حيا إلى اليوم لكان قد كسب البلايين من وراء هذه اللوحة وربّما لكان الفنان الأغلى في العالم الآن.
العشاء الأخير تصوّر المسيح جالسا على المائدة مع حوارييه الـ 12 الذين يظهرون بهيئة بشرية بسيطة فهم يتصرّفون وينفعلون مثل الناس العاديين.
وهناك نقطة مهمة جدا في هذه اللوحة تتعلق بالمنظور الفني الذي اتبعه الفنان بشكل إعجازي في رسم عناصر اللوحة. فكل عنصر فيها يوجه اهتمام الناظر مباشرة إلى وسطها، أي إلى رأس السيد المسيح نفسه. ويقال إن العشاء الأخير هي اعظم مثال تم إبداعه عن منظور النقطة الواحدة.
في الليلة التي سبقت خيانة المسيح من قبل أحد اتباعه، جمعهم للطعام واخبرهم بما سيحدث. واللوحة تحكي عن تلك الثواني القليلة من القصة أي بعد أن ألقى المسيح على الحواريين مفاجأته الصاعقة بأن أحدهم سيخونه قبيل شروق الشمس.
واللوحة تكشف بوضوح عن ردود فعل الحواريين التي كانت مزيجا من الرعب والصدمة والغضب.
بالإضافة إلى المسيح نفسه، فإن الشخصية المحورية في اللوحة هي شخصية يهودا المتآمر "الخامس من اليسار" ، وقد تعمّد دافنشي رسم وجهه في الظل، بينما بدا خلف يهودا مباشرة بطرس بلحية بيضاء ووجه غاضب متحدّثا إلى يوحنّا المعمدان الذي يظهر بملامح أنثوية بينما يميل برأسه ليستمع إلى بطرس.
الشخص الوحيد في الغرفة الذي يبدو وجهه هادئا هو المسيح نفسه.
يقال أن دافنشي نجح كثيرا في تصوير الانفعالات الدقيقة على وجوه الشخصيات بفضل الساعات الطوال التي قضاها في دراسة التشريح، وهذا بالذات هو ما يميّز "العشاء الأخير" عن عشرات اللوحات الأخرى التي تناولت نفس القصة.


يتيمـة فـي المقـابــر للفنان الفرنسي أوجيـن ديـلاكـــروا

يعتبر أوجين ديلاكروا واحدا من أهم الفنانين الفرنسيين وأكثرهم تأثيرا.
وهو مصنّف في الغالب ضمن فناني المدرسة الرومانتيكية.
ويقول بعض النقاد إن طريقة استخدام ديلاكروا للون كان لها تأثير كبير على الرسّامين الانطباعيين وعلى رموز الفن الحديث وعلى رأسهم بيكاسو.
ولد ديلاكروا في العام 1798 في فرنسا، وعلى امتداد مسيرته الفنية أنتج أكثر من 850 عملا فنيا.
أول أعماله كان لوحته المسماة "دانتي وفرجيل في الجحيم" التي عرضها في صالون باريس عام 1822.
ولوحات الفنان، عموما، تتدفّق بالمشاعر الفيّاضة والألوان المتألقة في حيوية صاخبة.
وقد اشتهر بتصوير النمور المتحفّزة والمعارك الضارية والأساطير المتوارثة. ويعتبر من بين الفنانين الأوربيين القلائل الذين اهتمّوا برسم مظاهر الحياة في الشرق، من قبيل لوحتيه الشهيرتين "نساء الجزائر" و "عرب يتقاتلون في الجبال".
لكن ديلاكروا كان يهتم أيضا بتصوير المشاعر والمواقف الإنسانية العميقة. وهذه اللوحة تمثل احد أشهر أعماله وأكثرها احتفاءً.
واللوحة تصوّر فتاة وحيدة تجلس وسط القبور، وقد تحجّرت الدموع في مآقيها، وارتسمت في عينيها نظرة مشحونة تحمل ما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه من وحدة موحشة ويأس وضياع وتساؤل واتهام لتلك السماء التي تصوّب نحوها نظراتها الخرساء..
قد تكون الفتاة جاءت إلى هذا المكان الموحش لتتذكر أبا أو أمّا راحلة. وأوّل ما يجذب العين في اللوحة هو قوّتها التعبيرية الهائلة. وهذا واضح من تعابير الوجه، والعينين على وجه الخصوص.
وللوهلة الأولى تبدو نظرات الفتاة كما لو أنها تعطي انطباعا بالخوف والتوتّر أكثر من كونه حزنا.
لكن يمكن القول إجمالا أن الانفعالات التي ينطق بها المشهد قويّة ومعبّرة جدّا، ربّما أكثر بكثير ممّا يمكن أن تصفه أو تعبّر عنه الكلمات.


جــون السـاخنـة للفنان البريطاني اللورد فريدريك ليتون


ولد فريدريك ليتون في سكاربورو بإنجلترا في العام 1830 م، وكان رسّاما ونحّاتا متخصّصا في الموضوعات التاريخية والدينية والكلاسيكية المستمدّة من التراث الفيكتوري.
عاش ليتون أربع سنوات في باريس حيث التقى فيها فنانين كبارا من أمثال انغر وديلاكروا وغيرهما. وبعدها انتقل إلى لندن حيث تولى في ما بعد رئاسة الأكاديمية الملكية.
من بين جميع لوحات ليتون حظيت هذه اللوحة بالذات بشهرة واسعة، واللوحة عبارة عن صورة من صور الجمال الفخم الذي يدفع الناظر إلى التمعّن بإعجاب في هذه السمفونية الرائعة من التشكيل واللون.
كما أنها تكشف عن عبقرية ليتون في اللون وعن كلاسيكيته الأصيلة.
وبالرغم من أن هذه اللوحة لا تحكي قصة محدّدة فان من الواضح أن الفنان يدعو الناظر إلى التأمّل في وضعية الفتاة النائمة.
بعض النقاد يقولون إن هذه اللوحة هي بمثابة اعتراف واضح من الفنان بالتقاليد العظيمة في الفن والتي تعود إلى جيورجيوني و تيتيان اللذين برعا في تصوير النساء النائمات اللاتي كان يشار إليهن بالاسم الميثي "فينوس".
وقد كانت بعض تلك الصور نصف عارية، والمقصود بالطبع إثارة مشاعر الجمهور من الذكور.
ورغم ذلك كله، كانت التقاليد الفيكتورية صارمة وغير متسامحة مع الفن الذي يروّج للعري أو الإثارة الحسّية.
وبينما لا تبدو الفتاة في لوحة ليتون هنا عارية على الإطلاق، فان رداءها البرتقالي الذي يجذب العين أريد به إثارة الانفعالات الحسّية وإن بشكل محسوب وحذر. واللون البرتقالي النابض بالحياة في اللوحة يصاحبه نطاق ناعم من الأزرق في الخلفية، والجمع الفريد بين هذه العناصر هو إحدى الخصائص التي تجعل من هذه اللوحة إحدى أروع اللوحات في تاريخ الفن.
بعد وفاة فريدريك ليتون في العام 1896 تم تحويل منزله إلى متحف يضم رسوماته ومنحوتاته.


شخـص عنـد النـافـذة للفنان الإسباني سلفـادور دالــي

لوحة أخرى من اشهر لوحات دالي. والشخص الواقف عند النافذة هو آنا ماريا شقيقة الفنان التي كانت موضوعا للعديد من البورتريهات التي رسمها في العام 1925.
آنا ماريا في اللوحة لا تظهر سوى من الخلف فيما اخفي وجهها، وهو تصرّف غريب من دالي أعطي في حينه الكثير من التفسيرات والتخريجات السايكولوجية. واخفاء العنصر الإنساني يخلق تباينا واضحا مع جوّ العطلة الذي يوحي به منظر النهر وصفاء المشهد نفسه.
عرضت هذه اللوحة في أول معرض فني منفرد للوحات دالي في برشلونة من ذلك العام، وقد نال هذا العمل بالذات إعجاب بابلو بيكاسو الذي كان حاضرا.
كانت آنا ماريا بمثابة الأم لشقيقها دالي الذي استخدمها كموديل لرسوماته، إلى أن ظهرت غالا ايلوار في حياته عام 1929 لتزيح آنا ماريا وتجلس مكانها، الأمر الذي أذكى مشاعر العداء والحقد في قلب الأخيرة.
المنظر الطبيعي خلف النافذة هو جزء من خليج كاداكيس حيث كان دالي وعائلته يقضون عطلة الصيف من كل عام.
وفي هذا المكان كتب الشاعر الإسباني الكبير غارسيا لوركا مذكّراته، واصفا إقامته على سواحل الخليج بالحلم الرائع والجميل، ومتوقفا بشكل خاص عند منظر البحر من النافذة في ساعات الصحو.
كان دالي وشقيقته قريبين جدا من بعضهما البعض، خاصّة بعد وفاة والدتهما. لكن ظهور غالا المفاجئ افسد تلك العلاقة. وفي ما بعد كتبت آنا ماريا تصف شقيقها بصفات يبدو أنها لم تعجبه، إذ أنها كانت تتناقض مع الصورة التي حرص هو على رسمها لنفسه في سيرته الذاتية، مما دفعه إلى رسم نسخة أخرى من هذه اللوحة وأطلق عليها اسما مهينا بحقّ شقيقته.
لوحة "شخص عند النافذة" يغلب عليها اللونان الأزرق الخفيف والأرجواني الشاحب، والمشهد بعمومه يمنح إحساسا بالهدوء والطمأنينة، وهي سمة نادرة وغير مألوفة في معظم رسومات سلفادور دالي.


بورتريه للفنان في سن الثالثة والستين للفنـان الهولنـدي رمبـرانــدت

يعتبر رمبراندت واحدا من اعظم الفنانين في جميع العصور.
ولد في هولندا في العام 1606 ومات فيها. تخصّص رمبراندت في رسم البورتريه وفي تصوير مشاهد من الإنجيل.
وإلى رمبراندت يعود الفضل في إضفاء لمسة فلسفية على فنّ البورتريه، فقد سبق له وان رسم بورتريه للفيلسوف أرسطو وهو يتأمّل تمثالا نصفيا لهوميروس.
وكل البورتريهات التي رسمها رمبراندت حاول فيها النفاذ إلى العقل الخفيّ للشخص، إلى روحه وشخصيّته الداخلية.
ولوحات رمبراندت لا تعنى بالمتعة الظاهرية إلا بمقدار ما تقود تلك المتعة إلى المعرفة.
وقد ألغى الفنان كل ما كان يهتم به الفنانون الهولنديون الآخرون مما له علاقة بحقائق العالم المادي، لكي يوصل إحساسا بالجوانب الروحية والسايكولوجية.
وقد كان صديقه الظلام لانه يظهر النفس في حالة عزلة، بينما لم يكن يرى في النور حقيقة بصرية وإن كان يمكن توظيفه في المسرح.
كان رمبراندت يحبّ الألوان الحية مثل الذهبي والبرونزي والبنّي.
ورغم انه رسم بورتريهات عديدة لنفسه (حوالي المائة)، فإنه كان يبدو في كل منها مختلفا عن الآخر من حيث اللبس والمزاج، وكان يرتدي ملابس غريبة وكأنه يحاول اكتشاف هويّته الحقيقية.
عندما كبر رمبراندت في السنّ رسم لنفسه بورتريها تخلى فيه عن الأقنعة والثياب الغريبة ليبدو أمام نفسه وأمامنا بهيئته الحقيقية والمجرّدة، وبطريقة من الوضوح والمباشرة قلّ أن نجد لها مثيلا في تاريخ الفن.
في هذا البورتريه الجميل والمعبّر لا ننظر إلى مجرّد لوحة وانما نلتقي برمبراندت نفسه: الوهج الخفيف للصورة والنور الذي يملأ وجه الفنان المسنّ وفخامة الملابس التي يرتديها وطريقة الوقوف التي يجللها الكبرياء، والرأس المائل باتجاه الناظر وكأنه يخفي داخل نفسه ألما عظيما.
الصورة توصل إحساسا بالحزن الدفين، رغم أننا لا نعرف الكثير عن حياة رمبراندت.
غير أننا نعرف انه عانى من الإفلاس في نهايات حياته، بعد النجاح الساحق الذي حقّقه.
وفي هذا الوقت بالذات، كان الفنان قد فقد كل من كان يحبّهم باستثناء ابنه.
في بورتريه رمبراندت يبدو الفنان مملوءا بالكبرياء والأنفة رغم المعاناة الواضحة على ملامحه، وهو يبدو هنا إنسانا اكثر من كونه فنانا، وهذا ما جعل هذه التحفة الفنية الفريدة تعيش في الذاكرة كل هذا الزمن الطويل.


نـشـوة للفنان الأمريكي ماكسفيلـد باريـش


في مطلع القرن الماضي كان ماكسفيلد باريش أحد ثلاثة فنانين كانوا الأكثر شعبية في العالم، اعتمادا على نسبة مبيعات أعمالهم. أما الاثنان الآخران فكانا فان غوخ وبول سيزان.
وبحلول عام 1925 كان بالإمكان رؤية لوحات باريش في واحد من كلّ أربعة بيوت في أمريكا. فقد كانت سماواته الزرقاء اللامعة وطبيعته القشيبة وشخصيّاته الحالمة علامة فارقة استمرّت في إثارة مخيّلة الناس لزمن طويل.
وفي ما بين الحربين العالميتين كان ُينظر إلى باريش باعتباره رمبراندت الثاني.
كان احد مصادره المهمّة طبيعة الشمال الأمريكي الشديد البرودة، حيث أشجار السنديان الكثيرة والجبال القرمزية ونوعية الضوء الذي يثير الخيال ويولّد الأفكار والصور.
وتتكرّر في لوحاته المناظر الرعوية والنساء الحالمات ومشاهد الغروب الأرجواني التي تستدعي جوّا من الهدوء والطمأنينة.
وعندما كانت لوحة من لوحاته توضع في صالة للعرض، كان الجمهور يتقاطر بالآلاف لمشاهدتها.
هذه اللوحة تعتبر من بين أجمل أعمال باريش وأكثرها رواجا، وفيها يصوّر امرأة حسناء تقف على حافة منحدر صخري محدّقة في السماء، بينما راح النسيم يداعب خصلات شعرها.
اللوحة تتسم بالحيوية والتناسق اللوني الجميل المكوّن من ظلال وتدرّجات الأزرق والبنفسجي والبرتقالي.
وقد استخدمت هذه اللوحة وغيرها من أعمال باريش في تزيين الكتب والتقاويم والإعلانات وأغلفة المجلات والروايات العاطفية على امتداد أجيال عديدة.
لم يكن باريش منتميا إلى مدرسة فنّية بذاتها، بل كان تقليديا أحيانا ومبتكرا أحيانا أخرى.
كان صاحب موهبة غير عاديّة في استخدام الألوان وخلق عوالم فانتازية تشدّ إليها الصغار والكبار معا.
وقد كان بارعا، على وجه الخصوص، في توظيف اللون الأزرق الذي يميّز لوحاته بظلاله المختلفة والمتدرّجة من اللازوردي والنيلي والأزرق.
وكثيرا ما امتدح النقاد تقنياته المتفرّدة في استخدام اللون والضوء. وبعض مشاهده أشبه ما تكون بانعكاسات بحيرة تتلامع على أسطحها الألوان المتموّجة والبديعة.
في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، عندما كان باريش في أوج شهرته، قرّر انه ملّ من رسم الفتيات اللاتي يقفن فوق الصخور، وبدأ في رسم مناظر لطبيعة صامته لا تتضمّن أشخاصا. غير أنها لم تجذب اهتمام الناس كثيرا ولم تكن لها نفس شهرة أعماله الأولى.
من أهمّ لوحاته الأخرى الفجر Daybreak التي تعتبر من أشهر الأعمال التشكيلية التي ظهرت في القرن العشرين. ويقال إنها في وقتها كانت أكثر شعبية في أمريكا من لوحات وارهول ودافنشي. غير أن للفنان أعمالا أخرى لا تقلّ شهرةً مثل "ملك الجزر السوداء" و"النجوم" و"عازف العود" و"حدائق الله".
وقد كان باريش متميّزا كثيرا في الرسوم الإيضاحية وظهرت رسوماته في العديد من القصص والروايات الخيالية وأشهرها ليالي ألف ليلة وليلة وسندريللا.
كما اجتذبت لوحاته وما زالت كبار الموسيقيين الذين وظّفوها في تزيين أعمالهم الموسيقية مثل اينيا ومايكل جاكسون وإلتون جون وغيرهم.
يقال أحيانا إن لوحات ماكسفيلد باريش فقدت مع مرور الزمن بعض أصالتها وعفويتها. لكن الطلب المستمرّ عليها يؤشّر إلى إن الجمهور ما يزال مفتونا بصور الرسّام ومناظره الجميلة التي تجمع بين الرومانسية والفانتازيا.



اورفـيــوس للفنان الفرنسي غوستـاف مـورو


كان غوستاف مورو رساما غير تقليدي، وكان يفضّل دائما أن يكون له أسلوبه الخاص بدلا من اتباع التقاليد الفنية التي كانت سائدة في عصره.
مورو كان معروفا على وجه الخصوص برسوماته الرمزية والغامضة. واكثر أعماله تعكس اهتمامه الكبير بالدين والأساطير.
وهناك ثيمات محددة تتكرر كثيرا في رسوماته، واحداها هي ما عرف بفكرة المرأة القاتلة "femme fatale" كما تجسدها لوحته عن سالـومي مثلا.
وما تزال لوحاته إلى اليوم تضج بالحيوية وتحظى بالرواج. و اورفيوس هي واحدة من اشهر أعمال مورو التي تظهر ولعه بتصوير الأساطير القديمة.
اورفيوس في الأسطورة كان معروفا ببراعته في الموسيقى إلى جانب إتقانه فنون السحر والحكمة.
وكان عزفه يفتن الحيوانات وغيرها من الكائنات. وقد احب اورفيوس اوريديشي وتزوجها لكنها سرعان ما ماتت بلدغة ثعبان.
اورفيوس اعتبر أن ما حدث لحبيبته لم يكن عدلا، فقرّر الذهاب إلى العالم السفلي واعادتها إلى الحياة.
وكان سلاحه في تلك المغامرة هو موسيقاه التي سحر بها الأشباح والهة الموت.
لكن أثناء عودته هو وحبيبته إلى عالم الأحياء التفت اورفيوس وراءه ليتحقق من أن اوريديشي تقتفي أثره، وكان في ذلك إخلال بالعهد الذي قطعه للإله هيدز، الأمر الذي دفع الأشباح إلى اختطاف اوريديشي واعادتها ثانية إلى عالم الأموات.
وهنا يقع اورفيوس مرة أخرى فريسة للحزن والأسى ويقرر تجنّب مصاحبة النساء طيلة حياته، مما يجلب عليه غضب نساء نرسيس اللاتي هجمن عليه في أحد الاحتفالات ومزّقن جسده عقابا له على صدّه وتجاهله لهن.
ومنذ ذلك الحين تحوّلت قصة هبوط اورفيوس إلى العالم السفلي إلى فكرة ترمز للعاشق الذي يحاول استعادة حبيبته وتخليصها من براثن الهلاك لكنه يفقدها ويفقد نفسه في النهاية نتيجة تسرّعه وحرصه المفرط.
ُيذكر أن أسطورة اورفيـوس كانت عبر العصور المتعاقبة موضوعا للكثيـر من القصص والمسرحيـات وقصائد الشعر والأعمال التشكيلية والمعزوفات التي ألفها مشاهير الموسيقيين أمثال سترافينسكي و اوفنبـاخ وسواهما.


صقــور اللـيــل للفنان الأمريكي ادوارد هـوبـر

هذه اللوحة تعتبر من أشهر الأعمال الفنية التي أنجزت خلال القرن العشرين.
وفيها يصوّر ادوارد هوبر مطعما ليليا على مفترق شارعين في أحد أحياء نيويورك الكبرى.
تفاصيل اللوحة رُسمت بعناية. والفكرة الكامنة فيها تتجاوز الحيّز أو المكان الجغرافي. فهي تصوّر مطعما بداخله أربعة زبائن، وكلّ منهم منشغل بنفسه.
لقاء الأشخاص هنا عارض، وعلاقتهم ببعضهم محض مصادفة. وهم لا ينظرون إلى بعضهم ولا يحسّون بوجود بعضهم البعض. بل يبدون وكأنهم مسجونون داخل قضبان إحساسهم بالغربة وفقدان الانتماء.
الضوء الصارخ يوحي بالانكشاف والأشخاص عالقون في مكان ما بين الظلمة والنور. ووجودهم يشبه وجود من نجا من عالم عدائي وفاسد.
وقد تعمّد الفنان عدم ترك اثر لبوّابة أو مدخل، ومن ثم فإن انتباه الناظر يذهب تلقائيا إلى الضوء فيما حُجبت بقية المشهد الداخلي بزجاج قاتم.
ادوارد هوبر أراد من خلال هذه اللوحة تصوير الشعور بالعزلة والغربة والخواء الذي يلفّ حياة البشر في المدن الكبرى، حيث الناس يعيشون في جزر منفصلة ويجهل بعضهم بعضا.
وعالم الرسّام هو عالم المدينة بتعقيداتها ونظمها وقيَمِها. وهو يقدّم رؤية عن مدينة مليئة بالحيوات المنعزلة والمتشظّية. وكلّ إنسان لا يعرف شيئا عن الآخر، تماما مثل قطع صغيرة رُكبّت في ماكينة ضخمة.
وفي بعض لوحاته يبدو الأشخاص منعزلين عن بعضهم حتى عندما يجمعهم نفس المكان. كما أنهم يتحاشون النظر إلى بعضهم وكأن كلّ واحد يريد أن يعيش لوحده في كونه الخاصّ به.يقول بعض نقاد الفنّ إن ادوارد هوبر يشبه إلى حدّ ما الفنان الميتافيزيقي دي كيريكو. غير أن مشاهد هوبر تبدو مألوفة أكثر كما أنها أكثر تماسّا واتصالا بواقع الحياة.
وهناك من يرى في لوحاته عزلة ووحدة واغترابا. لكنّ هوبر يفسّر الوحدة بأنها الإحساس بالذات باعتبارها مختلفة عن ذوات الآخرين. وهو شعور قد لا يقتصر على الأمريكيين وحدهم.
وهناك وجهة نظر تقول إن ميزة هوبر الأساسية هي أنه جعل العزلة والاستبطان ليس فقط ثيمة مهمّة في لوحاته، بل وموضوعا مقبولا لدى الناس، وهو ما يفسّر شعبية لوحاته الكبيرة.
على الجانب الشخصي، كان هوبر يوصف بأنه رجل هادئ جدّا ومتحفّظ للغاية. لم يكن بوهيمياً ولا فوضوياً. حتى عندما زار باريس، لم تجتذبه مقاهيها ولا صخبها وأضواؤها. وقد نُقل عنه انه قال ذات مرّة: أن تعشق العزلة، هذا يعني أن العالم ليس مكانا جيّدا بما فيه الكفاية بالنسبة لك".
بعض النقّاد يشيرون إلى أنه رغم ما تختزنه مشاهد هوبر من حزن وألم، فإنها لا تخلو أحيانا من بعض العاطفة والأمل. فالشخوص المنعزلون في غرَفهم نصف الفارغة لا يبدون في هيئة الضحايا. إن كلا منهم يبحث عن شيء ما من خلال النظر إلى النافذة أو إلى داخل الذات أو التأمّل في الظلام أو في العالم من حوله.
وكلّ واحد ما يزال يحتفظ بحلم ما، بتوق، وبإحساس أن هذه اللحظة ستعبُر إن آجلا أو عاجلا وأن ثمّة شيئا ما مجهولا، شيئا ليس له اسم ويصعب التنبّؤ به، على وشك أن يقع.
كان هوبر يكشف عن نفسه كمراقب عن كثب للناس وللأمكنة. وكان يرصد التغيير الاجتماعي الذي بدأ يعيد صياغة الحياة الحضرية في أمريكا أثناء وبعد فترة الكساد الكبير وما رافقه من انخراط نساء الطبقة الوسطى في سوق العمل وما أحدثه ذلك من تغيير في القيم العائلية والاقتصادية والاجتماعية.
وقد نشأ الفنان وعاش في نيو إنغلاند التي كانت دائما تتمتّع بمكانة مهمّة في الوعي الوطني للأمريكيين بقيمها الطهرانية وبكتابات رالف ايمرسون. بل لقد كانت توصف أحيانا بأنها التجسيد الكامل للشخصية الأمريكية النموذجية.
في ما بعد، زار هوبر باريس. حدث هذا في نهاية العام 1882 م. لكن لم يجذب انتباهه رسّاموها الطليعيون بل وأنكر في ما بعد انه سمع بـ بيكاسو. غير أن لوحاته تذكّر بـ مونيه وبيسارو وسيزان.
لوحة "صقور الليل" تعتبر نموذجا بليغا حاول هوبر من خلاله تصوير جدب الحياة ووحشتها في ضواحي المدن الكبيرة. والبعض يشبّهها بالمقهى الليلي لـ فان غوخ وبطرقات دي كيريكو المقفرة والموحشة.

الطـفــل البـاكــي للفنان الإيطالي جيوفـاني براغوليـن

ربما تكون هذه اللوحة مألوفة للكثيرين..
وهي للفنان الإيطالي جيوفاني براغولين "واسمه الحقيقي برونو اماديو" الذي لا ُيعرف عنه سوى انه عاش في فلورنسا ورسم سلسلة من اللوحات الفنية الجميلة لأطفال دامعي العيون تتراوح أعمارهم ما بين سن الثانية والثامنة .. تحت عنوان "الطفل الباكي".
هذه اللوحة بالذات هي اشهر لوحات المجموعة وتصوّر طفلا ذا عينين واسعتين والدموع تنساب من على وجنتيه.
من الواضح أن هيئة الطفل تشعر الناظر بالحزن والشفقة وتلعب على وتر المشاعر الإنسانية بعمق.
لكن لهذه اللوحة قصة أخرى غريبة بعض الشيء.
ففي العام 1985 نشرت جريدة الصن البريطانية سلسلة من التحقيقات عن حوادث اندلاع نار غامضة كان البطل فيها هذه اللوحة بالذات.
كانت اللوحة ذات شعبية كبيرة في بريطانيا حيث كانت ُتعلق في البيوت والمكاتب باعتبار مضمونها الإنساني العميق.
لكن الصحف ربطت بين اللوحة وبين بعض حوادث الحريق التي شهدتها بعض المنازل والتهمت فيها النيران كل شئ عدا تلك اللوحة.
وتواترت العديد من القصص التي تتحدث عن القوى الخارقة التي تتمتع بها اللوحة وعن الشؤم الذي تمثله، وكلما وقع حريق في مكان تشكل تلك اللوحة عنصرا فيه .. كلما أتت النيران على كل شئ واحالت المكان إلى رماد.
وحده الطفل الباكي كان ينجو من الحريق في كل مرة ودون أن يمسّه أذى!
ولم تلبث الجريدة أن نظمت حملة عامة أحرقت فيها آلاف النسخ من هذه اللوحة، واستغل الناس الفرصة ليخلصوا بيوتهم من ذلك الضيف الصغير والخطير!
لكن القصة لم تنته عند هذا الحد، فقد أصابت لعنة الطفل الباكي جريدة الصن نفسها، ليس بسبب حريق وانما بفعل الإضراب واسع النطاق الذي قام به عمالها ومحرروها وانتهى بطريقة عنيفة، مما دفع أصحاب الجريدة إلى التفكير جديا في إغلاقها في نهاية الثمانينات.
ومن يومها اصبح كل من يعتبر الطفل الباكي نذير شؤم وعلامة نحس .. عازفا عن شراء أي منظر لطفل حزين ذي عينين واسعتين!
لكن ذلك كله لم يؤثر في الكثيرين ممن اعتادوا على رؤية اللوحة والإعجاب بفكرتها ومحتواها الإنساني، وافضل دليل على ذلك أن اسم اللوحة تحول إلى عنوان لـ موقع اليكتروني جميل يضم نسخا مكبرة من كافة أعمال براغولين التي رسمها تحت نفس العنوان.


مــوت سقــراط للفنان الفرنسي جاك لوي دافيد


رسم الفنان الفرنسي دافيد هذا العمل التاريخي وهو في ذروة شعبيّته وحماسه.
فقد كان هذا الفنان جزءا من دائرة ضيّقة من الأصدقاء من مفكّرين وساسة وعلماء وكان من بينهم شيرنيير ولافاييت ولافوازييه الذين كانوا يضغطون من اجل إصلاحات سياسية راديكالية في فرنسا الملكية.
في 1787 أنجز دافيد رائعته "موت سقراط" التي تصوّر اللحظات الأخيرة في حياة المفكّر والفيلسوف الإغريقي العظيم.
كانت حكومة أثينا قد أصدرت حكمها على سقراط وخيّرته ما بين الموت أو النفي، عقابا له على دروسه ومحاضراته التي كانت تثير الشكوك في نفوس تلاميذه وتحرّضهم على احتقار الآلهة والتمرّد عليها.
وقد رفض سقراط النفي في النهاية وفضّل عليه الموت بتناول السم.
واصبح سقراط مثالا آخر على التضحية بالنفس في سبيل المبدأ.
في اللوحة يبدو سقراط متماسكا وقد غمرته غلالة من النور رمزا للخلود، بينما سيطر على اتباعه الحزن واليأس. ومن خلال توزيع الضوء والعتمة استطاع دافيد تحويل صورة من صور الشهادة إلى دعوة مدوّية للنبل والتضحية والثبات على المبدأ حتى في وجه الموت.
ويبدو سقراط مستمرّا في الحديث إلى تلاميذه حتى وهو يمدّ يده إلى كأس السم، مؤكّدا استهانته بالموت والتزامه الذي لا يهتز بأفكاره ومبادئه.
وبدا اتباعه ومريدوه وهم ملتفّون حوله في حزن، كاشفين عن ضعفهم وعجزهم أمام ذلك الامتحان العسير.
بعض المصادر التاريخية تذكر أن التلاميذ حاولوا إقناع سقراط بتهريبه إلى الخارج لكنه رفض الفكرة على اعتبار أنها خرق للقانون لا يصحّ ولا يجوز.
في الزاوية البعيدة من اللوحة يمكن رؤية زوجة سقراط وهي تغادر السجن ، بينما جلس تلميذه الوفيّ أفلاطون عند مؤخّرة السرير، وراح كريتو يمسك بقدم سيّده وهو يواسيه.
بالنسبة لمعاصري الفنان دافيد فإن المشهد يستدعي الأحداث الكبيرة التي شهدتها فرنسا في ذلك الوقت أي في العام 1787، مثل وأد محاولات إصلاح النظام الملكي وحلّ مجلس الأعيان والعدد الكبير من السجناء السياسيين داخل سجون الملك وفي المنفى.
وقد أراد دافيد من خلال هذه اللوحة إيقاظ الأنفس الخانعة وتحريضها على البذل والتضحية. أي أنها بمعنى ما دعوة صريحة لمقاومة السلطة الغاشمة.
وعندما كشف الستار عن لوحة "موت سقراط" كان توماس جيفرسون حاضرا وقد بهره المشهد كثيرا، بينما وصفها السير جوشوا رينولدز
قبل أن يشرع دافيد في رسم هذه اللوحة استشار لأسابيع طويلة أصدقاءه المقرّبين بشأن تفاصيلها ودلالاتها وقرأ العديد من المراجع التاريخية التي تحكي عن وقائع المحاكمة التي جرت في العام 399 قبل الميلاد. وقد استند في الأساس إلى رواية افلاطون عن الحادثة، لكنه أيضا اعتمد على مضمون كتاب للفيلسوف الفرنسي ديديرو. بينما استوحى منظر أفلاطون الجالس على طرف السرير من مقطع من رواية للكاتب الإنجليزي ريتشاردسون ..
كان الفنان جاك لوي دافيد مصنّفا في عداد الفنانين النيوكلاسيكيين، وكان يروّج في أعماله لقيم التنوير والثورة الفرنسية
وقد كان الفيلسوف سقراط نفسه أولّ زعيم لأوّل حركة تنويرية في التاريخ دعت إلى تغليب العقل على الجهل والخرافة.

بأنها لا يمكن أن تقارن سوى برسومات مايكل انجيلو في سقف كنيسة سيستين وبلوحة ستانزي لرافائيل.

نسـاء تاهيـتـي للفنان الفرنسي بـول غوغـان

في بدايات حياته كان بول غوغان بحّارا ثم عمل لبعض الوقت في التجارة.
وفي عام 1874 بدأ يرسم. وعندما بلغ الخامسة والثلاثين، وبتشجيع من زميله الفنان كميل بيزارو، كرّس نفسه نهائيا للرسم متخلّيا عن مهنته ومنفصلا عن زوجته وأطفاله الخمسة.
وقد ربط غوغان نفسه بالانطباعيين فعرض أعماله معهم طوال ثمان سنوات.
وفي عام 1887 أبحر إلى بنما وجزر المارتينيك. واحتجاجا منه على ما كان يصفه بأمراض الحضارة، قرّر غوغان أن يعيش حياة بدائية. لكن المرض اضطرّه للعودة إلى فرنسا.
قضى الفنان السنوات التالية في باريس وبريتاني. وشهدت هذه الفترة لقاءه الغريب والمأساوي مع فان غوخ.
في عام 1891 باع غوغان 30 لوحة من أعماله وادّخر قيمتها لكي يذهب إلى تاهيتي. هناك قضى سنتين عاش خلالهما حياة فقر وعوز.
لكنه أنتج في تلك السنتين أفضل لوحاته على الإطلاق، كما كتب مذكراته الشخصية.
بعد ذلك عاد غوغان إلى باريس يعرض فيها أعماله ويشغل نفسه ببعض الاهتمامات الأخرى. لكنه لم يجن من المال سوى النزر اليسير.
وتحت وطأة إحساسه بالحزن والكآبة ونتيجة معاناته الطويلة مع مرض الزهري، اضطرّ غوغان في العام 1895 للرحيل مرّة أخرى إلى البحار الجنوبية حيث قضى هناك السنوات الأخيرة من حياته فقيرا بائسا.
وبعد سنتين حاول الانتحار لكنه فشل. وعاش خمس سنوات أخرى قضاها في الرسم قبل أن يموت أخيرا في جزر الماركيز.
اليوم يتبوّأ غوغان مكانة عالمية مرموقة بين مؤسّسي الفن الحديث وروّاده البارزين.
وقد رفض تقاليد المدرسة الطبيعية الغربية، واستخدم الطبيعة كنقطة بدء لرسم شخصيات تجريدية وخلق حالة من الإحساس العميق بالغموض لدى المتلقي.
لوحته "ثلاث نساء تاهيتيات" تعتبر من أشهر أعماله وهي رمز لتلك الفترة التي قضاها في تاهيتي.
وقد فُتن غوغان بنساء الجزيرة واكتشف أن قوامهن مشابه كثيرا لقوام الرجال وعمل جهده على أن يجسّد ملامحهن وسماتهن في لوحاته.
في هذه اللوحة، حاول غوغان أن يبرز الفروق الواضحة بين المرأة الفرنسية ذات الملامح الأنثوية الواضحة والمرأة البولينيزية التي تتمتّع بقوام رجولي فارع ومنكبين عريضين وُبنية بدنية قوية.
النساء التاهيتيات في لوحات غوغان يرفضن الموضة السائدة ومعها سلوكيات الايتيكيت الصارمة.
فهن يمِلنَ إلى ارتداء الملابس الفضفاضة التي لا تقيّد حركتهن. لكنها تسمح للناظر برؤية شيء من أجسادهن القويّة من خلال تلك الملابس التي أريد لها في الأساس أن تكبّل حركتهن وتخفي مفاتنهن عن الأنظار.

ميـرانـدا والعـاصفــة للفنان البريطاني جون وليام ووترهاوس

ميراندا كانت الابنة الوحيدة لبروسبيرو في مسرحية العاصفة لشكسبير.
وحسب المسرحية، فإن ميراندا ووالدها ُتركا على ارض جزيرة نائية ومعزولة من قبل بعض أعداء بروسبيرو، إلى أن قدم إلى الجزيرة بعض الرحالة بقيادة أمير شاب لا تلبث ميراندا أن تعجب به وتقع في حبه، ثم يرحل الجميع بعد ذلك عائدين إلى الأرض التي قدموا منها.
العاصفة هي آخر مسرحية كتبها شكسبير (1611)، وقد ألهمت أحداث المسرحية عددا من الفنانين الفيكتوريين، فصوّروا مشاهد منها في أعمالهم الفنية مثل السير فرانك ديكسي وسواه.
لكن اشهر هذه الأعمال هي هذه اللوحة لووترهاوس، والتي يظهر فيها جليا التأثير القوي للأسلوب ما قبل الرافائيلي، يشير إلى ذلك وضعية وقوف المرأة وطريقة لباسها وتنسيق شعرها.
أما خلفية اللوحة فتظهر أسلوبا قريبا جدا من الأسلوب النقطي الذي كان يوظفه الانطباعيون، خاصة في عملية تمثيل الأمواج.
في اللوحة تقف ميراندا وهي تنظر إلى السفينة الغارقة، مدركة أن سحر والدها هو الذي تسبب في إثارة العاصفة وتحطّم السفينة، تمهيدا لمجيء ركابها إلى الجزيرة ومن ثم إنقاذها هي وأبيها.
المشهد يكشف عن لمسة رومانسية واضحة، وهي سمة غالبة على معظم أعمال الفنان ووترهاوس، خاصة تلك التي أنجزها في أخريات حياته.