بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 21 يونيو 2010

خيـول عربيـة تتعـارك في إسطبـل للفنان الفرنسي أوجيـن ديـلاكـــروا

كان ديلاكروا منذ بداية اشتغاله بالرسم مفتونا بجموح ووحشية الحيوانات. ولطالما أثارت اهتمامه، بشكل خاصّ، الخيول وصراعاتها الدامية فيما بينها. وهو أمر رآه رأي العين أثناء زيارته لشمال أفريقيا.
وقد رسم العديد من اللوحات من وحي إقامته في المغرب صوّر فيها مظاهر من صراع الحيوانات بين بعضها البعض وصراعها مع الإنسان.
وضمن هذا السياق، تندرج لوحاته "أسد يهاجم حصانا" و"صيد الأسود" و"عرب يتقاتلون في الجبال".
وقد ألهمت رسوماته عن الحيوانات، والخيل خاصّة، عددا من الرسّامين مثل الفنان الانجليزي جورج ستبس الذي رسم الخيل في عدد من لوحاته، أشهرها "الجواد ويسل جاكيت" و"أسد يهاجم حصانا".
في هذه اللوحة الجميلة، يصوّر ديلاكروا منظرا لجوادين عربيين يتقاتلان بضراوة داخل إسطبل، بينما يحاول حرّاس الإسطبل التدخّل لوقف عراكهما.
اللافت للاهتمام في هذه اللوحة براعة ديلاكروا في تصوير آنية وحركية الصراع بين الحيوانين الهائجين. الحركة الدائرية والإيقاع الراقص للحيوانين توحيان بالصراع الذي يبدو بلا نهاية، وهي الفكرة التي تقوم عليها لوحات عديدة لـ ديلاكروا لا يمكن فصل الشكل فيها عن المضمون.
التباينات القويّة للضوء والظلّ في هذه اللوحة وبراعة الرسّام في استخدام الألوان الصاخبة يعتبران عنصرين إضافيين يعمّقان الإحساس بشراسة وعنف الصراع بين الحيوانين.
رأى ديلاكروا هذا المشهد في مدينة طنجة المغربية عندما كان، هو والقنصل الانجليزي، في ضيافة الباشا حاكم المدينة.
كان الرسّام قد ذهب إلى هناك ضمن بعثة ديبلوماسية إلى سلطان المغرب. وكانت تلك الرحلة تشكّل بداية اهتمامه بالرسم الاستشراقي الذي أصبح هو احد رموزه الكبيرة والمهمّة.
كان ديلاكروا منجذبا إلى مراقبة الحيوانات البرّية كالنمور والأسود والفهود. وقبل ذهابه إلى المغرب، كان يتردّد على حديقة حيوانات باريس كي يراقب ويرسم الحيوانات فيها.
غير أن حبّه الأكبر كان للخيول. كان الحصان عنده يجسّد بحث الفنان الدائم عن المجد والصعود إلى الشهرة. ولم يشبع حبّه للخيول إلا بعد زيارته للمغرب. وبعد تجربته المغربية أصبحت الخيول ملمحا ثابتا في عدد غير قليل من اللوحات التي رسمها في ما بعد.
وقد شرح ديلاكروا ذات مرّة مغزى افتتانه برسم مشاهد العراك بين الحيوانات بقوله: الإنسان نفسه مخلوق همجي. والبشر في واقع الأمر ليسوا أكثر من نمور وذئاب مدفوعة برغبتها الكامنة في تدمير بعضها البعض".
وزمن ديلاكروا تبنّى بعض النقاد رأيا طريفا يقول بوجود أوجه شبه بين ملامح وجه الرسّام والأسود التي كان مغرما برسمها.
فقد كانت عيناه تشعّان ببريق أخّاذ كما كانت عظام وجهه ناتئة. ويبدو، برأيهم، أن ديلاكروا خلع على ملامحه جمالا غير مروّض وغريبا عندما أعارها للأسود في لوحاته.
كان بودلير من اشدّ المعجبين بلوحات ديلاكروا. وقد وصف لوحته صيد الأسود بقوله إن فيها تفجّرا للألوان يثير الإعجاب. كما أن الحيوانات في اللوحة تزأر وتزمجر. وإذا كانت هناك لوحة تمزج بين الوحشية والتعبيرية بأجلى صورهما، فإنها ولا شكّ هذه اللوحة".
وعلى العكس من كثير من معاصريه الذين كانوا مهتمّين بأفكار اليونان وروما القديمة وتصويرها في أعمالهم، فضّل ديلاكروا أن يرحل إلى بلاد الشرق حيث انجذب إلى شعوبه وصوّر تقاليدهم وأزياءهم في أعماله.
كان ديلاكروا يعتقد أن شمال أفريقيا بتراثها الغنيّ وتقاليدها العريقة هي المعادل البصري للثقافة الكلاسيكية لشعوب اليونان وروما القديمة.
وتتميّز لوحات ديلاكروا بتنوّع أفكارها ومواضيعها. بعضها يتناول ملاحم وأساطير قديمة. وبعضها الآخر يصوّر المعارك بين الأتراك واليونانيين. والبعض الثالث استوحاه من أعمال أدبية مثل أشعار شكسبير وغوته وبايرون وسواهم.
في خطيبة ابيدوس، مثلا، يصوّر ديلاكروا حكاية ذكرها بايرون في إحدى مسرحياته الشعرية عن باشا شرقي يجبر ابنته على الزواج من صديقه المسنّ. لكن الفتاة المكرهة على الزواج من شخص لا تحبّه تضطرّ إلى الهرب مع ابن عمّها الذي لا تلبث أن تقع في حبّه ثم تتزوّجه. غير أن الباشا الأبّ وجنده يعثرون على مخبئهما فيقتلون الشابّ، وتموت الفتاة في ما بعد بسبب حزنها عليه.
وفي موت ساردانابالوس، يصوّر ديلاكروا دراما شعرية مقتبسة عن مسرحية لنفس الشاعر تحكي قصّة ملك آشوري قديم يقع تحت حصار فرضه عليه أعداؤه. وفي النهاية يفضّل الملك الانتحار على الاستسلام. غير انه قبل موته يأمر حرّاسه بقتل جميع خدمه ومحظياته وحيواناته لكي يموتوا ويُدفنوا معه.
كان غرام ديلاكروا الأول الرسم والأدب الرومانتيكي. وتدلّ مذكّراته ودراساته ومقالاته التي تتناول المسائل الجمالية على ثراء أفكاره وعمق ثقافته.
وقد دفعه إعجابه بلوحات الرسّام الانجليزي جون كونستابل إلى زيارة انجلترا حيث تجوّل في متاحفها ومسارحها واطلع على جوانب من ثقافة الانجليز، ما ترك في نفسه أثرا لا يُمحى.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق