بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

الاثنين، 21 يونيو، 2010

تايتـوس فـي زيّ راهـب للفنـان الهولنـدي رمبـرانــدت

كان رمبراندت مفتونا كثيرا برسم الأطفال. وقد خصّص العديد من لوحاته لرسم ابنه الوحيد تايتوس الذي أتى إلى الحياة بعد وفاة ثلاثة من أبنائه. كان رمبراندت يحيطه بالكثير من العطف والرعاية، خاصّة بعد أن توفّيت والدته بعد أشهر قليلة من ولادته.
في بعض اللوحات يظهر تايتوس جالسا وهو يقرأ. وفي البعض الآخر وهو يرتدي ملابس أنيقة وقبّعة وسلسلة من ذهب. وهناك لوحة أخرى ُرسمت له عندما كان تلميذا صغيرا يظهر فيها جالسا إلى طاولة وممسكا بقلم وزجاجة حبر.
في هذه اللوحة نرى تايتوس بعد أن بلغ مرحلة النضوج وقد ارتدى ملابس ثقيلة من الصوف وغطاء رأس ذا حوافّ عريضة في مشهد مفعم بالتوق والجاذبية. وفيه نلمح ذلك البريق اللوني الأخّاذ الذي يشعّ من رسومات رمبراندت الذي كان بارعا في استخدام الألوان البنّية والداكنة والأضواء الساخنة التي تشعل الأجزاء الباردة من لوحاته بوهج الظلال الأرجوانية والذهبية والصفراء.
رسم رمبراندت هذا البورتريه وهو في أوج شهرته. في تلك الأثناء، كان تايتوس يطمح لأن يصبح رسّاما مثل والده. ويقال انه بدأ فعلا في تعليمه أبجديات قواعد الرسم. لكن لا ُيعرف على وجه التأكيد ما انتهت إليه تلك المحاولات.
عندما رسم رمبراندت هذا البورتريه كان واضحا انه أصبح مقتصدا في رسم مواضيعه الدينية المفضّلة وبات أكثر ميلا لرسم بورتريهات شخصيّة تتّسم بالتأمّل والحميمية.
ملامح وجه تايتوس الوسيم وتعابيره الحالمة وعيناه المسدلتان ووقفته التأمّلية تؤشّر إلى أن اللوحة ُرسمت بقدر كبير من الرّقة والحساسية والعاطفة. وقد اختار رمبراندت أن يخلع على ابنه هنا هيئة ناسك ايطالي اسمه فرانسيس يقال انه هجر الدنيا وعاش حياة تقشّف وزهد بعد أن وهب نفسه لله وتخلّى عن كلّ ما كان يملكه للفقراء والمحتاجين.
بعد وفاة زوجته، أي والدة تايتوس، وجد رمبراندت بعض العزاء والراحة في كنف خليلته هندريكا التي قامت على رعايته ورعاية ابنه وكانت مثالا في الإخلاص والوفاء. ويُعتقد أنها الموديل التي استخدمها في رسم لوحته الشهيرة باثشيبا Bathsheba المأخوذة عن قصّة من العهد القديم.
ومنذ سنوات، اكتشف العلماء ما اعتبروه أحد أسرار عبقرية رمبراندت وعظمته. فقد توصّلوا، اعتمادا على تحليل البورتريهات التي رسمها لنفسه أمام المرآة، إلى أن الرسّام كان مصابا بأعراض الاكستروبيا، وهو اعتلال يصيب العين وُيعرف عند العامّة بالعين الكسولة. ومن المفارقات الغريبة أن ذلك العيب أفاد رمبراندت وجعله يرى العالم بشكل مختلف. وبحسب ما يقوله العلماء، كانت عينه اليسرى ترى بانحراف قدره عشر درجات عن المركز؛ الأمر الذي ساعده على أن يرى الأشياء من حوله بصورة مسطّحة وليس بشكل ثلاثي الأبعاد كما اعتادت أن تراه العين السليمة والمتوازنة.
في العام 1663 ضرب الطاعون هولندا فحصد أرواح عشرات الألوف من الناس وكان من بين ضحاياه هندريكا الوفية. وبعد ذلك بخمس سنوات عاود الوباء الظهور ليخطف معه هذه المرّة روح تايتوس الذي لم يكن قد مضى على زواجه سوى بضعة أشهر. كان عمره آنذاك لا يتجاوز السادسة والعشرين.
وبعد ذلك بأقلّ من عام، أي في الرابع من أكتوبر 1669، توفي رمبراندت بعد أن كانت زوجتاه وجميع أبنائه قد توفّوا. ولم يكن عند سريره في لحظاته الأخيرة سوى ابنته الوحيدة كورنيليا التي أنجبها من هندريكا.
وقد مات فقيرا معدما ودفن في قبر مجهول بإحدى كنائس امستردام القديمة.
كان رمبراندت بإجماع غالبية النقاد ومؤرّخي الفن ظاهرة استثنائية يندر أن تتكرّر. وقد استقطبت حياته وفنّه اهتمام العديد من الكتّاب وظهر عدد لا يحصى من المؤلفات والكتب التي تتحدّث عن مظاهر عبقريّته وعن مكانته الرائدة في تاريخ الفنّ التشكيلي العالمي.
ويمكن اعتبار رسوماته سجلا مصوّرا عن تاريخ وثقافة هولندا خلال القرن السابع عشر.


امـرأة تتـزيـّـن للفنانـة الفرنسيـة بيـرتـا مـوريسـو

حتى منتصف القرن التاسع عشر، لم تكن النساء قد نلن اعترافا من المجتمع بأهليّتهن لأن يصبحن رسّامات مبدعات. ودائما ما كان يُنظر إلى رسوماتهن على أنها مجرّد نزوات أنثوية ساذجة دافعها إزجاء الفراغ وقتل الوقت.
غير أن ظهور بيرتا موريسو، وتمتّعها بنجاح مهني وشخصي، شكّل قطيعة مع الأعراف الاجتماعية التي كانت تشكّك في كفاءة المرأة وقدرتها على أن تصبح عضوا مبدعا وفاعلا في المجتمع.
ولأنها كانت تنحدر من عائلة بورجوازية مرموقة، فقد كان طموحها في أن تحترف الرسم مهمّة محفوفة بالمشاكل والصعاب. فقد كان البورجوازيين ينظرون إلى الرسم والفنون عامّة نظرة دونية لا تخلو من احتقار.
وكان والدها يحلم بأن تصبح مهندسة معمارية ناجحة. غير أنها أصرّت على أن تختطّ لنفسها مسارا آخر عندما فضّلت الرسم على ما عداه من المهن.
وطوال سنوات اشتغالها بالفنّ، تخصّصت موريسو في رسم الطبقة البورجوازية وأسلوب حياة أفرادها وهمومهم وعلاقاتهم. وكانت معنية، على وجه الخصوص، بتصوير النساء البورجوازيات ضمن الأدوار والوظائف الاجتماعية التي كنّ يتحركن ضمنها.
ومنذ البداية، اختارت أن تكون جزءا من الحركة الانطباعية التي كانت تعيش في ذلك الوقت عصرها الذهبي.
غير أن مكانتها الاجتماعية كانت تقيّد حركتها داخل الحركة الفنية. وقد كان زواجها من شقيق الفنان ادوار مانيه وسيلة تمكّنت من خلالها من النفاذ إلى مجتمع الانطباعيين، خاصّة بعد أن تحوّل منزلها إلى صالون وملتقى لأهم الأسماء الأدبية والفنية المعروفة في ذلك الوقت.
عزيمة موريسو ونضالها أسهما في صعودها السريع، لدرجة أنه قيل إنه لم تكن هناك في القرن التاسع عشر رسّامة أخرى تنافسها مكانةً وموهبةً وشهرة. وقد توّجت نجاحاتها بهذه اللوحة التي تعتبر أحد أكثر الأعمال الانطباعية حميمية، بل وأهميّة نظراً لارتباطها بفكرة الأنوثة في مجتمع تقليدي يسيطر عليه الذكور.
في اللوحة ترسم موريسو امرأة جالسة أمام مرآة في غرفة الزينة وهي منهمكة في إصلاح هندامها وترتيب شعرها.
المشهد يبرز براعة الرسّامة في استخدام الألوان الباردة كالأزرق والفضّي والزهري والأصفر لإنتاج جوّ أثيري وناعم.
غير أن وجه المرأة لا يبدو منعكسا في المرآة كما هو متوقّع. إذ لا نرى فيها سوى آنية الزهور وعدّة التجميل.
هذه الجزئية رأى فيها بعض النقاد رسالة قويّة ومهمّة. فقد تكون الرسّامة أرادت من خلالها أن تصوّر الصراع بين واقع اجتماعي قائم لا ينظر إلى المرأة إلا من خلال الأشياء المادية والاهتمامات السطحية، وبين رغبة الفنانة في كسر هذا الفهم وتحدّي القيود والمحدّدات التي كرّستها العادات والعرف الاجتماعي.
في لوحاتها الأخرى رسمت بيرتا موريسو مشاهد تصوّر بعضا من أفراد عائلتها في غرف الرسم والحدائق والقوارب والمتنزّهات وغيرها من الأماكن التي اعتاد بورجوازيو باريس ارتيادها.
ومن أشهر أعمالها الأخرى لوحتها المسمّاة المهد The Cradle التي صوّرت فيها شقيقتها وهي تحدّق في ابنتها، أي ابنة الرسّامة، التي كانت قد ولدت للتوّ آنذاك.
وقد حرصت موريسو على أن تكون تلك اللوحات انعكاسا لمعايير السلوك التي كانت سائدة في أوساط الطبقة التي تنتمي إليها في باريس القرن التاسع عشر.
الجدير بالذكر أن رينوار كانت تربطه بالفنانة علاقة وثيقة حيث كانت تعتبره صديقها ومستشارها. غير أنها طالما اعتبرت مانيه أستاذها وملهمها الأوّل. وقد بلغ من إعجاب هذا الأخير بها أن رسم لها بورتريهين. كما سمح لها، دون سائر النساء الفنانات، بأن تشير إلى اسمه علناً باعتباره أستاذا لها.

علـى ضفـاف البحيـرة للفنان الياباني سايكـي كـورودا


تُعتبر هذه اللوحة أحد أكثر الأعمال الفنية شهرة واحتفاءً في اليابان. وقد أصبحت منذ ظهورها في أواخر القرن التاسع عشر رمزا للثقافة وللروح اليابانية المعاصرة. فهي حاضرة دائما في المناهج الدراسية وعلى طوابع البريد. كما كُتبت فيها قصائد شعر وكانت موضوعا للعديد من الدراسات والنقاشات الأكاديمية التي تناولت أهمّيتها في الثقافة اليابانية والسياق التاريخي الذي ظهرت فيه.
وجانب من أهمّية اللوحة وشهرتها يعود إلى طبيعة الظروف التاريخية التي كانت تمرّ بها اليابان حوالي منتصف القرن التاسع عشر. فقد كان النظام الإقطاعي القديم الذي اتسم حكمه بالتوتّرات السياسية والأزمات الاقتصادية يعيش سنواته الأخيرة.
وكانت اليابان تتأهّب لاستقبال حكم الميجي الذي أتى بالإمبراطور موتسوهيتو إلى السلطة والذي دشّن في عهده حقبة جديدة من الاستقرار السياسي والتنوير الثقافي والتحديث الاقتصادي والانفتاح التجاري والثقافي على الغرب.
وكان الرسم في ذلك الوقت وسيلة مهمّة في تعزيز الانفتاح الثقافي على الخارج من خلال تصويره لجوانب من حياة اليابانيين التي لم تكن معروفة من قبل للكثيرين خارج اليابان.
وقد تزعّم سايكي كورودا هذا الاتجاه لدرجة انه صار يُلقب بأبي الرسم الياباني على الطريقة الغربية.
في مستهلّ شبابه، ذهب كورودا إلى باريس لدراسة الرسم هناك. في ذلك الوقت كان الانطباعيون يحكمون سيطرتهم على المشهد الفنّي الباريسي وكانت اسماء رينوار ومونيه وغيرهما من رموز الانطباعية تتردّد على كلّ لسان. ووجد الرسّام نفسه جزءا من الحركة الجديدة فقرّر إتباع الأسلوب الانطباعي في الرسم. وقد قضى في فرنسا عشر سنوات درس خلالها على يد رافائيل كولين الذي كان مشهورا برسم نساء عاريات في طبيعة مائية.
وأثناء إقامته في فرنسا، رسم كورودا هذه اللوحة التي حققت وقتها نجاحا ساحقا أهّله لنيل أكثر من جائزة بالإضافة إلى ثناء النقّاد.
اللوحة تصوّر امرأة تجلس على ضفّة بحيرة وترتدي اللباس التقليدي الياباني المسمّى بالكيمونو بينما تمسك بيدها مروحة. وفي خلفية اللوحة تلوح طبيعة من الجبال والتلال الخضراء.
من الواضح أن كلّ العناصر التي تتضمّنها اللوحة يابانية بامتياز: ملامح المرأة، ثيابها، أسلوب تصفيف شعرها والمروحة ذات النقوش والزخارف المصمّمة على الطراز الياباني.
براعة الرسام تبدو واضحة في استخدام الألوان والضوء والظلال. أيضا طريقته في تمثيل مياه البحيرة وانعكاسات الألوان والظلال على سطحها تشي هي الأخرى بقدر غير قليل من المهارة والإتقان.
هناك أيضا ملامح المرأة الوقورة ونظراتها المتأمّلة التي تعطي انطباعا بالهدوء والسكينة وربّما التذكّر والتوق.
المرأة والبحر ثيمة ظلّت تتكرّر باستمرار في الفنّ. ولطالما تنافس الرسّامون في تصوير مناظر لطبيعة بحرية تتضمّن عناصر نسائية في أجواء تعطي شعورا بالرومانسية أحيانا وبالهدوء والتأمّل أحيانا أخرى. ومن أشهر من تناولوا هذه الفكرة جون ووترهاوس وكلود مونيه وجون سيمونز ووليام بوغورو وبيير رينوار.
كان سايكي كورودا سليل عائلة من الساموراي أو قدامى المحاربين الذين كانوا مقرّبين تقليديا من النخب الحاكمة.
وكان هو أكبر إخوته وقد نشأ في بيئة توفّر لها من عوامل الثراء والنفوذ ما لم يتوفّر لغيرها. فعمل على تثقيف نفسه بالقراءة والاطلاع ودرس اللغات الأجنبية وأتقن الانجليزية والفرنسية.
ويقال إن تأثيره في الفنّ الياباني لا يشبه تأثير أيّ فنان آخر. فإليه يعود الفضل في إعادة صياغة أسلوب الرسم الياباني القديم وإعطائه نكهة غربية.
وهو الذي اقنع الجمهور الياباني، لأوّل مرّة، بقبول الرسوم العارية كموضوع في الفنّ بعد أن كان اليابانيون ينفرون من مناظر العري ويعتبرونها دخيلة على تقاليدهم وأعرافهم المحافظة.
بعد سبع سنوات من ظهور هذه اللوحة في باريس، تمّ عرضها في طوكيو. وقد أثارت هناك الكثير من النقد لأنها اعتبرت خروجا واضحا على تقاليد الرسم الواقعي الياباني.
عندما عاد كورودا إلى اليابان عُيّن رساما للبلاط الإمبراطوري ومديرا لأكاديمية الفنون الجميلة ثم عضوا في مجلس الأعيان. وأدّى انصرافه للعمل السياسي والأكاديمي إلى تقليل نشاطه الفنّي فأصبح لا يرسم إلا نادرا.
وعندما توفي في العام 1924 منحته الدولة وساما عاليا وأمرت بجمع لوحاته، بما فيها هذه اللوحة، وإيداعها في متحف أقيم تكريما له وحمل اسمه.


شـارب الأبسـنـث للفنان التشيكي فيكتـور اوليفـا

رغم شهرة هذه اللوحة، فإن فيها جانبا غير مألوف وهو أنها غير موجودة في متحف أو صالة لعرض الأعمال الفنية، وإنّما في مقهى تاريخي مشهور يقع في وسط براغ عاصمة جمهورية التشيك.
اللوحة تتحدّث عن مشروب يسمى الابسنث (وبالعربية الشيح أو شجرة مريم) يُستخلص من نبات ذي رائحة عطرية ومذاق شديد المرارة ينمو عادةً في المناطق الصخرية والصحراوية.
وقد ذكره الطبيب الفيلسوف علي ابن سينا في بعض كتبه، وكان يصفه لمرضاه كعلاج لبعض اعتلالات الجهاز الهضمي.
غير أن النبات يكتسب خواصّ مُسْكرة إذا ما تمّ خلطه بأعشاب وموادّ أخرى عن طريق التقطير.
الرسّام فيكتور اوليفا اعتاد تعاطي الابسنث في مقهى كافيه سلافيا في براغ، كما يشير إلى ذلك في مذكّراته. وكان قد تعرّف على الشراب أثناء إقامته بحي مونمارتر الباريسي حيث كان آنذاك جزءا من مجتمع الفنانين فيها.
وكان أوّل من توصّل إلى تركيبة الابسنث طبيب فرنسي في القرن الثامن عشر. وبعد ذلك أصبح شرابا يحظى بشعبية كبيرة في فرنسا وخارجها.
بعض الفنانين وصفوا تأثير الابسنث بأنه يجلب حالة من السُكْر الشفّاف الذي يفتح الذهن ويصفّي الحواسّ ويحفّز شاربه على الدخول إلى عالم الأفكار والتأمّلات العميقة.
وقد عرفه الانطباعيون الفرنسيون الذين كانوا يجلبونه من السوق السوداء حيث كان يباع سرّا بعد أن تمّ حظره عقب تسبّبه في بعض حالات العنف والهلوسة وحتى الانتحار.
يروي اوليفا انه كان جالسا ذات يوم في المقهى مع امرأة صديقة يتناولان الشراب. وعندما أمسك بالكأس ونظر خلاله رأى صورة المرأة الجالسة أمامه وقد اتّخذت هيئة جنّية خضراء بدت وكأنها تسبح داخل الكأس.
وقرّر اوليفا أن ينقل هذه الصورة الذهنية على الورق، فرسم نفسه جالسا إلى طاولة في المقهى كما رسم المرأة بعد أن تحوّلت إلى شبح امرأة خضراء عارية.
الذي يتمعّن في هذه القصّة لا بدّ وأن يتخيّل طبيعة الابسنث وما يقال عن تأثيره الفتّاك على عقل ووعي من يتناوله.
ويقال بأن العديد من الفنانين كانوا يتعاطونه لاعتقادهم بأنه يعدّل المزاج ويستحثّ الإلهام ويعزّز المقدرة الإبداعية ويستثير عند متعاطيه حالة من التجلّي والصفاء الذهني. ومن أشهر هؤلاء بيكاسو وسيزان وفان غوخ وتولوز لوتريك وإدفارد مونك وغوغان. وقد رسم كلّ من بيكاسو وديغا ومانيه لوحات تتّخذ من هذا الشراب موضوعا لها وتحمل نفس اسم هذه اللوحة. وفي هذه اللوحات يبدو متعاطو الابسنث في حالة من التوحّد والشرود، ليس لأنهم غائبون عن الوعي كليّاً، وإنما بتأثير التهويمات والخيالات الكثيرة التي يفترض أنهم يرونها أثناء تناول الشراب.
البيرت مينان رسم أيضا لوحة أخرى عن الموضوع تصوّر شاعرا في حالة استسلام لإغواء امرأة خضراء. وقد ارتبط الابسنث دائما باللون الأخضر الناتج عن محتوى الكلوروفيل في النبات الذي يستخلص منه. ومن ذلك اللون ظهرت أسطورة الجنّية الخضراء التي يراها المتعاطي عند تناوله كمّية كبيرة من الشراب، والتي أصبحت صورة مجازية لشيطان الخلق والإلهام.
الابسنث ارتبط دائما بالحياة البوهيمية. ويقال أن تأثيره الأسطوري يعود إلى تركيزه الكحولي الهائل والقريب الشبه بالماريوانا.
وهناك بعض الروايات التي تقول إن فان غوخ أقدم على قطع أذنه تحت تأثير الشراب الرهيب، وأن الغلالات الخضراء الشاحبة التي تظهر في بعض لوحاته يمكن أن تُعزى، ولو جزئيا، إلى إدمانه للابسنث.
في هذه اللوحة ليس هناك الكثير مما يسترعي الانتباه. هيئة النادل القادم من بعيد بمشيته المتعثّرة تبدو طريفة بعض الشيء. ونظراته التي لا تخلو من تعابير الدهشة توحي بأنه هو أيضا يرى المرأة المتحوّلة، ما يعطي الانطباع بأنه ربّما يكون هو نفسه واقعا تحت تأثير الشراب.
من أشهر من كانوا يتعاطون الابسنث من الأدباء والكتّاب ارنست همنغواي وإدغار ألان بو واوغست ستريندبيرغ، بالإضافة إلى اوسكار وايلد الذي وصف تأثيره بقوله: بعد الكأس الأولى ترى الأشياء كما تتمنّى أن تكون. وبعد الكأس الثانية ترى الأشياء خلاف ما هي عليه. وأخيرا ترى الأشياء كما هي بالفعل. وهذا من أكثر الأمور فظاعة في العالم".
علاقة الإبداع بالنشاط العصبي الناتج عن تناول الموادّ المسكرة والمؤثّرة في الوعي موضوع قديم جدّا ويحيطه الكثير من الجدل والغموض. الإغريق، مثلا، كان عندهم ديونيسوس، أو باخوس، إله الخمر وملهم الطقوس الجنونية الذي يحرّر الأشخاص من أنفسهم من خلال الشراب وما يثيره من نشوة وإلهاب للمخيّلة. وبعض الجماعات البدائية كانت ترى في المسكرات جانبا روحيا وتستخدمها في طقوسها الدينية. وممّا يروى عن الشاعر الروماني القديم هوريس قوله إن القصيدة لا تبهج سامعها ولا تدوم طويلا ما لم تكن مكتوبة بالنبيذ. وبودلير كان يتحدّث كثيرا عن تأثير الأفيون في كتاباته. وتينيسي وليامز كان معروفا هو الآخر بولعه الشديد بتناول الكحول والمخدّرات أثناء الكتابة.
الفنان فيكتور اوليفا ولد في بوهيميا بالتشيك ودرس في أكاديمية براغ للفنون ثم في أكاديمية ميونيخ. وخلال وجوده في باريس تبنّى تيّار الرسم الحديث.
وفي ما بعد عمل مديرا للتصوير في عدد من الصحف التشيكية. وتناول في لوحاته الطبيعة والأشخاص كما وضع رسوما إيضاحية لعدد من الروايات وكتب الشعر.
في السنوات الأخيرة أصبح الابسنث مسموحا به في العديد من بلدان العالم، وبذا فقَدَ صفته كفاكهة محرّمة ونُزعت عنه تلك الهالة من الغموض التي لازمته طويلا. وهناك أنواع كثيرة منه بدرجات متفاوتة من الجودة. كما أن لتناوله طقوسا خاصّة. غير أن كثيرا من الأطباء يؤكّدون احتواءه على مركّب كيماوي غامض يجلب الاكتئاب ويؤدّي إلى نوبات من التشنّج والإغماء والهلوسة. كما أن هناك كتبا عديدة تتحدّث عن الابسنث وتتناول مخاطره وأضراره من أهمّها كتاب "الابسنث البشع : تاريخ للشيطان في زجاجة" للكاتب البريطاني جاد أدامز.
لكنّ كلّ هذه المحاذير والأخطار لم تمنع محبّي الشراب ومتعاطيه، وبينهم فنانون وشعراء وعلماء وخبراء تقطير، من تأسيس جمعية لهم على الانترنت يجتمع أعضاؤها سنويا ليتدارسوا سبل الترويج للابسنث وعكس الانطباع السلبي الذي استقرّ في أذهان الناس عنه وعن مخاطره.


بورتريه الكونتيسـة آنـا دي نـوي للفنان الاسباني إغنـاثيـو ثولـواغـا


في بدايات القرن العشرين، لم يكن في فرنسا امرأة تنافس ما كان لـ آنا دي نوي من مكانة وشهرة. فقد كانت جزءا من مجتمع باريس المخملي، وكان صالونها الأدبي ملتقى لأهمّ الأدباء والكتّاب المعروفين آنذاك، مثل بول فاليري وجان كوكتو وادمون روستان واندريه جيد ومارسيل بروست.
كانت دي نوي شاعرة وروائية في نفس الوقت. بل كانت أوّل شاعرة في فرنسا تنال تكريما عاليا بمنحها وسام الأكاديمية الفرنسية بمرتبة الشرف. وقد عُرف عنها رعايتها للآداب والفنون وتأسيسها جائزة لأفضل النساء الكاتبات إبداعا وتميّزا.
كانت دي نوي امرأة ذات شخصيّة قويّة ومتنفّذة. وقد ساعدها على البروز أكثر انتماؤها إلى عائلة ارستقراطية من الأمراء والنبلاء.
ويقال إن قربها من مارسيل بروست دفعه إلى استلهام شخصيّتها في إحدى رواياته. وقد كان شديد الإعجاب بها، إلى حدّ انه وصفها في إحدى المناسبات بأنها ملكة فرنسا وأفضل شاعراتها.
وقد اجتذبت موهبة المرأة ومكانتها وجمالها عددا من الفنانين الذين رسموا لها بورتريهات ومن أهمّهم فيليب دي لازلو وجان لوي فورين، بالإضافة إلى اوغست رودان الذي نحت لها تمثالا نصفيا من المرمر هو اليوم من مقتنيات متحف المتروبوليتان في نيويورك.
غير أن هذه اللوحة التي رسمها لها اغناثيو ثولواغا، والموجودة اليوم في متحف بيلباو في مدريد، ظلّت دائما أشهر لوحة تصوّر الأميرة الشاعرة. بل إن هناك من يعتبرها من بين أفضل الأعمال التشكيلية التي ظهرت في القرن الماضي. وقد أنجز الفنان اللوحة أثناء إقامته في فرنسا. وفيها تبدو الكونتيسة دي نوي متّكئة على أريكة ومرتدية فستانا زهريا بينما طوّقت كتفيها العاريين بوشاح بنّي اللون.
نظرات المرأة الهادئة ووجهها الوسيم ذو الملامح الدقيقة وابتسامتها الخفيفة تنبئ عن طبيعتها الواثقة ومزاجها الشاعري والمتأمّل.
وعلى الأرضية هناك مزهرية وكتاب مفتوح وإلى جوارهما عقد ضخم ومجموعة من الكتب.
ألوان الغرفة الداكنة، الستائر ذات الألوان السوداء والأرجوانية والخلفية الزرقاء تحيل الناظر تلقائيا للتركيز على وسط اللوحة، أي على هيئة المرأة، بملابسها الفاتحة ولون بشرتها، التي تعكس تباينا مع بقيّة العناصر الأخرى في الغرفة.
تميّزت أشعار دي نوي بالغنائية وقوّة العاطفة وكثافة الصور. ومواضيعها تتمحور حول أفكار الحبّ والطبيعة والموت. وبعض قصائدها يغلب عليها الجانب الايروتيكي مع مسحة من العنف والمأساوية التي طبعت أشعارها المتأخّرة.
وبالإضافة إلى الشعر، ألّفت عددا من الروايات والقصص القصيرة. وكانت مصادر إلهامها مزيجا من ثقافة اليونان الوثنية وأفكار فريدريش نيتشه المتطرّفة.
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، تغيّر المشهد الأدبي كثيرا في فرنسا مع ظهور الداديّة والرمزية والسوريالية وموجة الأدب والفنّ الطليعي. ويبدو أن دي نوي وجدت صعوبة في التكيّف مع التغيير الجديد، ففضّلت الاحتفاظ بأسلوبها القديم.
وعندما توفيت في العام 1933 سار في جنازتها نخبة الأدباء والفنانين والساسة المعروفين في ذلك الوقت.
اليوم وبعد مرور حوالي مائة عام على وفاتها، لا يكاد احد يتذكّر الكونتيسة دي نوي إلا باعتبارها سيّدة ارستقراطية جميلة وصديقة للأدباء والكتاب في زمانها.
أما اغناثيو ثولواغا فقد عُرف بتأثّره بالرسّامين الأسبان الكبار. وبعض لوحاته لا يمكن تمييزها عن لوحات فيلاسكيز وإل غريكو. لكن بعضها الأخر يبدو أكثر شبها بـ دي غويا. فقد كان هو أيضا معنيا بتصوير الوجه الحقيقي لاسبانيا لكن ضمن منظور أكثر حداثة.
ومثل غويا أيضا، كان ثولواغا منجذبا لرسم مباريات مصارعة الثيران والغجر والمغنّين المتجوّلين والفلاحين وشعراء التروبادور.


عـودة غيـر متوقّعـة للفنان الروسي إيـليـا ريـبـيـن

لم يكن إيليا ريبين أحد أشهر رسّامي روسيا في القرن التاسع عشر فحسب، وإنما يمكن اعتباره مفكّرا سياسيا واجتماعيا وزعيما ثوريا كثيرا ما تردّد صدى أفكاره ومواقفه في أعمال الأدباء الروس الكبار في زمانه. وهناك من يضع اسمه جنبا إلى جانب مع أسماء تولستوي ودستويفسكي وغوركي وتشايكوفيسكي وريمسكي كورساكوف الذين كانت أعمالهم انعكاسا لروح ومزاج الشعب الروسي وتعبيرا عن همومه وتطلعاته.
ولوحات ريبين التي تجذب العين بقوّتها وإحكامها وبتفاصيلها وأجوائها المشحونة عاطفيا ودراميا تذكّر بطبيعة المجتمع الروسي وما كان يمرّ به من أحداث مصيرية وعاصفة خلال السنوات الأخيرة من حكم القياصرة.
ولوحته هنا يمكن اعتبارها احد أفضل الأعمال التشكيلية الروسية والعالمية، كما أنها توفّر مثالا ممتازا على تمكّن الفنان وبراعته في الإمساك بأدقّ وأصعب المواقف والانفعالات الإنسانية.
في اللوحة يصوّر ريبين المشاعر الإنسانية المتفاوتة لأفراد عائلة عاد والدهم من أحد معسكرات الاعتقال في سيبيريا بعد صدور عفو مفاجئ عنه.
في ذلك الوقت، كان كلّ من يُنفى إلى سيبيريا يعتبر في حكم الأموات. والكثيرون ممّن نُفوا إلى تلك الأرض الباردة والموحشة انتهى بهم الأمر إمّا إلى الموت أو الجنون أو الانتحار بعد أن تعرّضوا للجوع والتعذيب وشتّى صنوف القمع والإذلال بسبب معارضتهم للسلطة القيصرية.
وكان من عادة الأسر التي تعرّض بعض أفرادها للنفي أن تفرض ستارا من الصمت على مصيرهم وتحاول إقناع الأفراد الأصغر سنّا في العائلة بأن المفقود مات أو انه لن يعود أبدا.
وقد كان ما يحدث في معسكرات التعذيب تلك من أهوال وقصص مرعبة، سواءً في عهد القياصرة أو في العهود اللاحقة، موضوعا للكثير من الأعمال الأدبية لعلّ أشهرها رواية أرخبيل الغولاغ للروائي الروسي الكسندر سولجنتسين.
ولا بدّ وأن كلّ هذه القصص والوقائع كانت حاضرة في ذهن الرسّام وهو يخطّط لتفاصيل هذه اللوحة التي يمكن القول أنها عبارة عن قّصّة، لكنها مكتوبة بالفرشاة والألوان بدلا من الكلمات.
فقد عاد هذا الأب من منفاه السيبيري بشكل غير متوقّع إثر صدور عفو عنه بعد سنوات طويلة من الغياب. لكنه يعود بنفس منكسرة ووجه يعلوه الوجوم، بينما يبدو ممسكا بقبّعته ومتردّدا في الدخول إلى الغرفة حيث تجلس والدته وزوجته وطفلاه.
والدته العجوز لا تنكر ملامحه. لذا تهبّ واقفة من على كرسيّها تحت وقع المفاجأة وتتفرّس في وجه ابنها وكأنها غير مصدّقة ما تراه.
والزوجة المنهمكة في العزف على البيانو تتعرّف هي أيضا عليه، فتتوقّف عن العزف فجأة. إنها تتشبّث بالكرسي بينما تثبّت عينيها المرعوبتين على الرجل تحت تأثير إحساسها بالصدمة وعدم اليقين.
الابن الظاهر في أقصى يمين اللوحة يتعرّف هو أيضا على ملامح والده فتعلو وجهه ابتسامة هي مزيج من الفرح والذهول.
لكن البنت الصغيرة تنظر إلى ما يجري بشكّ واستغراب وربّما بخوف. فهي لا تتذكّر وجه والدها جيّدا. ويُحتمل انه بدأ رحلة النفي قبل أن تولد أو وهي بعدُ في سنّ صغيرة جدّا.
وعلى الباب تقف الخادمة وهي ما تزال تمسك بالمقبض بينما تبدو على وجهها علامات الجدّية والوقار بانتظار ما سيحدث لاحقا.
اختيار الفنان لأماكن الشخصيات في اللوحة، وهم أفراد أسرته الحقيقيون، ينمّ عن مهارة وإتقان عاليين. فالناظر يرى الوجوه من أيّ اتجاه ويلمس نوعية الانفعالات الظاهرة على ملامح كلّ شخص بطريقة مباشرة وواضحة.
هذه اللوحة يمكن اعتبارها دراسة نموذجية في طريقة التعبير عن تباين الانفعالات الإنسانية إزاء موقف أو حالة ما في لحظة معيّنة.
ومن الأمور اللافتة فيها براعة الرسّام في توزيع الظلّ والضوء. ورغم كثرة الظلال الداكنة التي تتوزّع على مساحة اللوحة معمّقة الإحساس بالقلق والتوتّر، فإن المشهد ما يزال يثير شعورا نسبيا بالارتياح بفعل لمعان اللوحة وسطوع الألوان في تلك المناطق التي يغمرها الضوء.
لكن بوسع الناظر إلى اللوحة أن يتنبّأ بما سيعقب هذه اللحظة المتجمّدة من الزمن وما سينجلي عنه المشهد بعد لحظات من صرخات فرح ودموع ابتهاج احتفالا بعودة الغائب ومعه انتهاء سنوات الآلام والمعاناة.
كان ايليا ريبين وما يزال مصدر إلهام للكثير من الرسّامين الروس. وقد عُرف على نحو خاصّ برسوماته للطبيعة والمواضيع الدينية وباهتمامه بتصوير متاعب الطبقة الفقيرة وبورتريهاته التي رسمها لأصدقائه من الكتّاب والمثقفين الروس وفي طليعتهم الروائي الكبير ليو تولستوي والموسيقي موديست موسوريسكي .
درس ايليا ريبين الرسم في أكاديمية سانت بيترسبورغ للفنون. وفي إحدى الفترات سافر إلى ايطاليا ثم استقرّ في باريس لبعض الوقت حيث اجتذبته لوحات مانيه وعقد صداقة مع الموسيقي الفرنسي كميل سان سونس . وفيها أيضا التقى ناتاليا نوردمان؛ المرأة التي أصبحت في ما بعد زوجته.
وعندما عاد الفنان إلى روسيا لم يستقرّ به المقام فيها طويلا. فسافر إلى فنلندا المجاورة حيث ابتاع فيها منزلا وأقام هناك بشكل دائم.
كان ريبين دائما مقاتلا من اجل الحرّية والمساواة والعدالة الاجتماعية. وعندما قامت ثورة أكتوبر الاشتراكية في العام 1917، فضّل البقاء في فنلندا رغم الإغراءات الكثيرة التي قدّمها له القادة الجدد لكي يعود.
ويبدو انه لم يعترف بالثورة ولم يتسامح مع العنف وسفك الدماء وعمليات الإعدام التي ارتكبها البلاشفة آنذاك.
وبعد وفاته في فنلندا عام 1930 وهو في سنّ السادسة والثمانين، تمّ تحويل منزله إلى متحف يضمّ لوحاته وأشياءه الخاصّة. غير أن هذه اللوحة وغيرها من لوحات ريبين انتقلت في ما بعد لتصبح من مقتنيات متحف تريتيكوف في موسكو.


صـوت قـديـم، تجريد على الأسْوَد للفنان السويسـري بـول كْـلِـي

الألوان الخفيفة والباردة كثيرا ما تروق للعين خاصّة إذا وضعت ضمن توليف لوني متناغم وأنيق تحسّ وأنت تنظر إليه وتتأمّله كما لو أنك تقرأ قصيدة شعر أو تستمع إلى قطعة موسيقية.
والحقيقة أن هذا الشكل التجريدي الجميل والشبيه برقعة الموزاييك يتضمّن كل هذه العناصر. ففيه موسيقى وشعر، كما أن فيه فكرا لأن من رسمه كان شاعرا وموسيقيا وفيلسوفا وناقدا موهوبا بالإضافة إلى كونه احد أشهر الرسّامين الذين ظهروا في القرن العشرين.
كان بول كْلِي عازف كمان موهوبا. لكنّ شغفه بالرسم غلب على حبّه للموسيقى. وقد وجد في الموسيقى، كما في الشعر، نوعا من الإلهام الذي كان يوظّفه في رسم لوحاته.
وأعماله هي مزيج من التكعيبية والسوريالية والفنّ البدائي. وكثيرا ما كان يملأ لوحاته بالرموز والأحرف والأرقام والإشارات التي كان يستحضرها من اللاوعي في محاولة - كما كان يقول - للتوفيق بين التجريد والواقع من خلال التعبير عن الذات الداخلية والكشف عمّا هو مخبّأ تحت أسطح الأشياء والمظاهر.
غير أن شاغله الأوّل كان اللون والضوء. وقد رسم هذه اللوحة أثناء زيارة له إلى شمال أفريقيا لتصبح في ما بعد إحدى أشهر وأجمل لوحاته.
في اللوحة رسَم كْلِي شبكة من المربّعات ذات الألوان الخفيفة على خلفية سوداء. والألوان، بالإضافة إلى تناغمها القويّ، تبدو ذات أسطح لامعة بفعل انبثاق الضوء الذي يشكّل تباينا مع الخلفية المظلمة.
وهناك احتمال أن يكون الرسّام أراد من اللوحة أن تكون دراسة عن العلاقة بين العتمة وبين تمظهرات اللون وتدرّجاته. غير أن هناك من اعتبرها رحلة إلى عالم الإحساس البدائي بما يتضمّنه من رؤى وإدراك وكشوفات عن الذات.
وقد كان كْلِي ذا نظرة عميقة في فهمه للون ومحاولة تطويعه كي يصبح وسيلة للمزاوجة ما بين الفكر والعاطفة. وكان دائم الحديث عن الروحانية في الفنّ. ومن آرائه أن كلّ شيء إلى زوال وأن ما يبقى من الحياة في النهاية هو جانبها الروحي الذي يجسّده الفن.
اسم هذه اللوحة معبّر وينطوي على شاعرية واضحة. وكْلِي كان معروفا بانجذابه الشديد للشعر. وقد انعكس هذا على أسلوبه في اختياره أسماء جذّابة للوحاته.
ولا بدّ وأنه، بحكم خبرته في الموسيقى، كان يعرف الأسس الرياضية للأنغام الموسيقية التي ابتكرها الإغريق. ويُحتمل انه أراد بالمربّعات في اللوحة أن تكون رمزا لتلك الأسس وأن يقرنها في نفس الوقت بموسيقى الألوان.
في بعض الأوقات، راجت نظريات كثيرة تشبّه الرسم التجريدي بالموسيقى. فالمغني يلجأ أحيانا إلى جعل صوته يبدو أجشّ غليظا كي يعبّر عن إحساس أو انفعال معيّن. والرسّام التجريدي يستخدم ضربات فرشاة قويّة وخشنة ويرسم أشكالا وألوانا في الفراغ لكي يعبّر عن مشاعر أو انفعالات دفينة.
وبينما يمكن أن تكون الموسيقى حزينة أو متوتّرة أو باعثة على الابتهاج والفرح، يمكن للتجريد أيضا أن يحدث نفس التأثير من خلال استخدام الخطوط والأشكال والتوليفات والألوان.
في إحدى مراحل حياته كان كْلِي زميلا لـ كاندينيسكي الأب الروحي للتجريد. وقد عملا معا بالتدريس في أكثر من جامعة في ألمانيا. ووضع الاثنان في تلك الفترة بعض أهمّ نظرياتهما ودراساتهما عن التجريد.
وقد شكّل مجيء النازيين إلى السلطة في ألمانيا نقطة تحوّل مهمّة في حياة الفنان. إذ تمّ فصله من وظيفته وصودر منزله وأمواله وأزيلت لوحاته من كافة الأماكن، بل وأحرق بعضها بعد أن اتهم، مع رسّامين آخرين، بأنهم يروّجون "للفنّ المنحلّ".
وقيل وقتها أن السبب الحقيقي في كراهية النازيين لـ كْلِي هو انه رفض منذ البداية إعلان ولائه لهم وفضّل أن يتمسّك بمواقفه وقناعاته حتى النهاية.
وعندما عاد إلى مسقط رأسه سويسرا، رفضت السلطات هناك منحه الجنسية السويسرية. ولم يحصل عليها إلا بعد وفاته.
وقد اتّسمت السنوات الأخيرة من حياة بول كْلِي بالكثير من الألم والمعاناة. فقد هاجمه مرض تيبّس الجلد فشوّه ملامحه وشلّ أطرافه تدريجيا. ولوحاته التي رسمها قبيل وفاته مليئة بالتأمّلات المظلمة والمتشائمة عن الموت والحرب وغباء الإنسان وعدمية الحياة. وتكثر في تلك اللوحات صور الجماجم والأقنعة والشياطين والهياكل العظمية والوجوه المشوّهة. ويبدو أن ذلك كان مؤشّرا على اشتداد مرض الفنان وإحساسه باليأس وخوفه من دنوّ الأجل.
على الجانب الشخصي، عُرف عن كْلِي شغفه الكبير بموسيقى موزارت الذي كان يعتبره مؤلّفه الموسيقي المفضل. كما عُرف بشخصيّته الهادئة إذ لم يكن يتكلّم كثيرا، ربّما لأنه كان يدرك أن لوحاته هي خير من يعبّر عن مزاجه وأفكاره. وقد بيع بعضها في ما بعد بملايين الدولارات.
وقبيل رحيله في العام 1940، أوصى كْلِي بأن تحرق جثّته ويُنثر رمادها فوق بيرن، المدينة التي ولد فيها وعاش سنواته الأخيرة.


أمسية صيفية في بلاد الشمال للفنان السويدي ريتـشـارد بـيـرغ

قد لا يكون ريتشارد بيرغ اسما مألوفا كثيرا. وشهرته لا تكاد تقارن بشهرة بعض الأسماء السويدية المعاصرة أمثال انغمار بيرغمان وغريتا غاربو وانغريد بيرغمان أو حتى بيورن بورغ.
وهو بالتأكيد اقلّ شهرة من معاصره الرسّام اندرز زورن. لكنه في زمانه كان رسّاما متميّزا وأكاديميا بارزا كتب الكثير من الكتب والمقالات التي ضمّنها أفكاره وآراءه عن علاقة الفنّ بالأدب والموسيقى والفلسفة. كما عُيّن في فترة من الفترات مديرا للمتحف الوطني في السويد.
وقد عاش بيرغ في الوقت الذي كانت المدرسة الرومانسية في الأدب والفنّ في أوج صعودها. وكان معاصرا لأهمّ وأشهر الشخصيات التي عرفتها السويد في القرن التاسع عشر، مثل الكاتب المسرحي اوغست ستريندبيرغ والروائية الحائزة على جائزة نوبل في الأدب سلما لاغرلوف والشاعر كارل غوستاف هيدنستام الحائز هو الآخر على نوبل والمؤلّف الموسيقي وليام ستيبنهامر ولارس اريكسون احد روّاد صناعة التليفون في العالم.
وبيرغ ينحدر من عائلة بورجوازية مرموقة. وكان والده رسّام طبيعة وأستاذا أكاديميا. وفي سنّ الخامسة والعشرين ذهب إلى باريس حيث اطلع على بعض فعالياتها الأدبية والفنية وتعرّف على عدد من رموز الانتيليجنسيا الفرنسية كما تلقى هناك دروسا في الرسم.
كان رومانسيّو القرن التاسع عشر السويديون يُبرِزون في أعمالهم العلاقة الروحية التي تربط الإنسان بالطبيعة. وكانوا يروّجون للبدائية كأسلوب حياة يمكن أن يعوّض الإنسان عن إحساسه بالاستلاب والعزلة الروحية. ولهذا كانت مناطق الشمال الاسكندينافي التي تتميّز بغاباتها الكثيفة وكثرة غدرانها وبحيراتها وجبالها مقصدا لأفراد الطبقة البورجوازية الذين كانوا يذهبون إلى هناك للاستجمام وممارسة الرياضة وقضاء فصل الصيف في أكواخ ونزُل بدائية.
وقد رسم بيرغ هذه اللوحة التي يصوّر فيها مشاعر شخصين، رجل وامرأة، في إحدى أمسيات الصيف في الشمال. واستغرقه العمل على اللوحة سنوات رسَم خلالها العديد من الاسكتشات في محاولة لاختيار الوضعية الأكثر ملاءمة لوقوف الشخصيتين فيها.
واللوحة تظهر رجلا وامرأة يقفان كلّ بمواجهة الآخر أمام منظر طبيعي.
غير أنهما منفصلان عن بعضهما وإن كانا يبدوان متوحّدين روحيّا وهما يتأمّلان الطبيعة ومنظر الغروب امامهما.
طريقة وقوف الرجل والمرأة متباعدَين عن بعضهما يفسح المجال أمام الناظر للمشاركة في تأمّل الطبيعة واستكناه روح المكان.
وثمّة احتمال بأن يكون الرسّام أراد من وراء اختيار وضعية الوقوف هذه التأكيد على المساواة بين الجنسين، وهي الفكرة التي كان يروّج ويدعو لها أتباع المدرسة الرومانسية.
بعض الكتّاب الغربيين تحدّثوا في الكثير من المناسبات عن ارتباط السويديين والنرويجيين الروحي بالطبيعة، وبالغابات على وجه الخصوص، وهو أمر يصعب شرحه أو تفسيره أحيانا. وتمتلئ قصائد الشعر الرومانسي في البلاد الاسكندينافية بالصور التي تتحدّث بتوق جارف عن الأشجار وملاعب الطفولة ومرابع الصبا والأيّام الخوالي التي ذهبت ولن تعود.
هذه اللوحة كثيرا ما يُطلق عليها اسم آخر هو الأنوار الشمالية، ربّما لأنها تذكّر بأجواء شمال أوربا الشديدة البرودة حيث تختفي الشمس معظم أيّام السنة ويتلاشى مفهوم الليل والنهار ويفقد الناس إحساسهم بالزمن، وكلّ ما يمكن رؤيته بعد ذلك مجرّد ضوء شاحب ومعتم يخلع على الطبيعة رداءً فانتازيا وساحرا. كما يحيل الاسم إلى الظاهرة الفلكية النادرة التي تظهر في تلك الأرجاء في بعض الليالي على هيئة كرنفال صاخب من الألوان الزرقاء والخضراء والبيضاء التي تتراقص فوق سماوات القطب المخملية بفعل تأثير الرياح الشمسية، وهو ما يعتبره العلماء أحد أجمل المناظر الكونية التي يمكن رؤيتها من على كوكب الأرض.
من الواضح أن اللوحة شديدة الواقعية، وما من شكّ في أن تفاصيلها رُسمت بعناية فائقة. والذي يراها للوهلة الأولى قد يظنّها صورة فوتوغرافية لشدّة واقعيّتها وقد لا يصدّق أنها رُسمت قبل أكثر من مائة عام.
كان ريتشارد بيرغ يرفض الأفكار المسيحية واليهودية عن الحياة بعد الموت ويؤمن بأن الغاية من الوجود تتحقق فقط في هذه الحياة. ومثل الرومانسيين الآخرين، لم يكن يعوّل كثيرا على السيرورة التاريخية أو الانتقال من طور لآخر، بل كان اهتمامه منصبّا على أن يستمتع الإنسان بوجوده الأرضي وأن لا يشغل نفسه كثيرا بالأمور الميتافيزيقية أو الغيبية.
وكان أيضا يؤمن بأن الفنّ متجذّر في الطبيعة وخاضع لقوانينها رغم أن تفسير تلك القوانين قد يأخذ أحيانا تمظهرات صوفية وغامضة. كما كان يرى بأن الفنّ ليس سوى انعكاس لحاجة فطرية للتعبير عن الشعور وأن الفنان يجب أن لا يتوقّف عند المظاهر الخارجية بل أن ينفذ إلى جوهر الأشياء كي يصل إلى الحقيقة المطلقة.


طبيعة من التلال يعلوها رأس خروف وزهرة للفنانة الأمريكيـة جـورجـيـا اوكِـيـف

يُجمع الكثير من النقّاد على اعتبار جورجيا اوكيف أشهر الرسّامات الأمريكيات وأكثرهن أصالة وابتكارا. وقد عُرفت بلوحاتها التي تصوّر فيها مظاهر الحياة في صحراء نيو مكسيكو الجافّة والقاسية. ومن السهل التعرّف على لوحاتها التي تكثر فيها صور العظام والأزهار والجماجم والصَدَف.
وزمن اوكيف كان الفنانون الأمريكيون توّاقين لاكتشاف الجوهر الحقيقي لبلدهم. وقد وجدت الرسّامة في بعض الرموز الروحانية للهنود الحمر وفي التضاريس الوعرة والجافة للغرب الأمريكي ما يمكن أن يكون تجسيدا للهويّة وللروح الأمريكية.
وكانت الرسّامة قد قرّرت أن تغمر نفسها في تلك الطبيعة الصافية التي حافظت فيها التفاصيل والعناصر على حالتها الأولية الأكثر فطرية ونقاءً.
ولهذا السبب كانت عظام الحيوانات النافقة في الصحراء تمثل بالنسبة للرسّامة مصدر فتنة وإلهام. كانت تجوب الصحراء وترسم الجماجم والهياكل العظمية التي لوّحتها وصقلتها أشعّة الشمس الحارقة. ولم تكن اوكيف ترى في العظام رمزا للموت على غرار ما كان يعتقد معاصروها، بل عنصرا مهمّا من عناصر جمال الصحراء الخالد واللانهائي. ولطالما جذب الرسّامة وألهب خيالها جلال وغموض الطبيعة الصحراوية بتكويناتها الجيولوجية الغريبة وألوانها الصارخة ونباتاتها الغريبة وأضوائها الصافية التي ظلت تعكف على رسمها طوال حياتها.
وضمن هذا السياق رسمت اوكيف هذه اللوحة التي يعتبرها الكثيرون أشهر لوحاتها وأكثرها انتشارا. بل لقد أصبحت في ما بعد أيقونة ترمز لطبيعة الحياة في مناطق الغرب الأمريكي. وقد شرحت الفنانة ظروف ومغزى رسمها للوحة عندما قالت: كنت أحدّق في التلال قبالة بيتي لأسابيع وارسمها المرّة تلو الأخرى. كنت أراها من بعيد عبر النافذة بينما كانت السماء تمطر. وبدا لي أن المشهد سيكون أفضل لو ضمّنته جمجمة خروف وزهرة".
في اللوحة تبدو الجمجمة اقرب إلى جمجمة الجاموس أو الثور منها إلى جمجمة الخروف. ويخيّل للناظر كما لو أنها تنبعث من الأرض بعد أن كانت كامنة هناك منذ الأزل. أيضا ممّا يلفت الانتباه في اللوحة منظر القرنين والزهرة اللذين يمكن أن يكونا رمزا لاتحاد الجنسين. وثمّة احتمال أن تكون اوكيف رسمت هذين العنصرين في اللوحة وفي ذهنها بعض المعتقدات والأفكار التي كانت شائعة لدى بعض الشعوب القديمة.
فمنذ القدم، كان يُنظر إلى القرون باعتبارها رمزا للذكر استنادا إلى الأسطورة الفرعونية القديمة عن آمون إله الخصوبة الذي كان يُصوّر برأس خروف وجسم إنسان. بينما الزهرة رمز لـ فينوس أو افرودايت آلهة الخصوبة الأنثوية عند اليونان.
كانت جورجيا اوكيف، كما سبقت الإشارة، مفتونة كثيرا بعظام الحيوانات الميّتة وكانت تسمّيها أزهار الصحراء. وقد أصبحت ثيمة ثابتة في العديد من لوحاتها المشهورة.
وبخلاف وجهة النظر التي تنظر إلى جماجم الحيوانات كرمز لزوال الحياة وحتمية الموت، كانت اوكيف ترى فيها دليلا على تجدّد الحياة وانبعاثها وعلى استمرارية الوجود واتصال الحاضر بالماضي.
كانت اوكيف شخصيّة محورية ومثيرة للجدل في الفنّ الأمريكي. وقد ظلّت على الدوام بمنأى عن التغييرات والاتجاهات التي طرأت على الفنّ وبقيت مخلصة لرؤيتها الفنية الخاصة التي كانت تعتمد على دراسة خصائص الشكل وعلى البحث عن الأشكال التجريدية والمهمّة في الطبيعة.
ومن الصعب إحصاء عدد المرّات الكثيرة التي استُنسحت فيها لوحاتها التي تتخذ من الصحراء والزهور موضوعا لها. وقد تأثرت في بواكير حياتها بـ كاندينسكي وكتابه المشهور "الروحانية في الفن" الذي تحدّث فيه عن الانفعالات الداخلية للفنان. وفي بعض الأوقات عملت أستاذة للرسم في أكثر من جامعة. كما سافرت كثيرا خلال حياتها وشملت رحلاتها بلدان الشرق الأقصى والهند وأوربا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط.
وقد كانت اوكيف وزميلاتها من الفنانات مهتمّات بإعادة تعريف هويّة المرأة الحديثة واكتشاف الأفكار المتغيّرة عن الأنوثة في الحداثة. وعُرف عنها تعطّشها للمغامرة والاستقلالية وتحقيق الذات. وكان أسلوب حياتها وطريقة تعبيرها عن نفسها انعكاسا لجسارتها وقوّة شخصيتها وروحها الحرّة والمتمرّدة. وكانت دائما تؤثر العزلة والابتعاد عن الناس والأضواء. ومما يؤثر عنها قولها: لو كان البشر أشجارا لكنت أحببتهم بطريقة أفضل".
وقالت ذات مرّة ما يمكن أن يكون تلخيصا بليغا لشخصيّتها وأسلوب فنّها: كنت أقطف الأزهار أينما وجدتها وأجمع الحجارة والصدف وقطع الخشب التي كنت أحبّها. وعندما أجد عظاما بيضاء جميلة في الصحراء كنت آخذها معي إلى البيت. وقد استخدمتُ كلّ هذه الأشياء لأعبّر عن رحابة وغرابة هذا العالم كما عشت فيه".
وفي منتصف العشرينات، رسمت اوكيف سلسلة من اللوحات التي تصوّر فيها أزهارا بطريقة تجمع بين التجريد والسوريالية. وقد عمدت إلى تكبير بَتَلات وأوراق الأزهار لتملأ رقعة الرسم. وأسهمت تلك اللوحات في ترسيخ مكانة الفنانة وشهرتها كرسّامة حديثة ومبتكرة. غير أن بعض النقاد رأوا في تلك اللوحات مضمونا جنسيا عندما تقصّدت الفنانة رسم الأزهار على هيئة قريبة من الأعضاء الأنثوية. وهو التفسير الذي ظلت اوكيف تنفيه وترفضه باستمرار.
في أواخر حياتها توقفت اوكيف عن الرسم اثر تدهور صحّتها وإصابتها بالعمى. وكان أكثر ما يحزنها أنه لن يكون بوسعها بعد ذلك أن ترى الريف الجميل "إلا إذا كان كلام الهنود الحمر صحيحا وأن روحي ستمشي على هذه الأرض بعد موتي".
وفي مارس من عام 1986 توفيت جورجيا اوكيف عن عمر ناهز التاسعة والتسعين. وإنفاذا لوصيّتها، أحرقت جثّتها وذُرّ رمادها فوق صحراء نيو مكسيكو التي ربطتها بها علاقة عشق وكانت ملهما لمناظرها الغامضة والمليئة بالرؤى والرموز.


الشلـل والمقاومـة للفنـان الكـويتـي سـامـي مـحـمّـد

قليلون هم الفنانون الملتزمون بقضايا الإنسان والحرّية. وسامي محمّد هو احد أولئك الفنانين الذين اختاروا منذ البداية أن ينحازوا للإنسانية المعذّبة وأن ينتصروا لقضايا الحرّية والعدالة في العالم.
تنظر إلى أعماله النحتية فتشعر من خلالها بمعاناة الإنسان الذي يقاوم القمع ويتصدّى للظلم والاستبداد وإهدار الكرامة الإنسانية.
في هذه المنحوتة المشيّدة من البرونز يصوّر سامي محمّد رجلا عُصبت عيناه وشُدّ على فمه بوثاق محكم. لكن الرباط لا يستطيع إغلاق فمه ولا كتم صوته. التعابير على الوجه وتوتّر العضلات يكشفان عن قدر عظيم من روح التحدّي والصبر والقدرة الهائلة على التحمّل والمقاومة.
عندما تتأمّل هذا المشهد المؤلم، لا بدّ وأن تتعاطف مع الشخصية، وأن تحسّ بألمها وأن تتمنّى أن يأتي يوم لا يُسجن فيه إنسان ولا يعذّب أو تنتهك كرامته لمجرّد انه قال رأيا أو عبّر عن وجهة نظر لا تروق للسلطة.
الشخصيّة في التمثال ليس لها ملامح فارقة أو مميّزة. ولعلّ النحّات تعمّد هذا كي يعبّر عن همّ إنساني عام لا يقتصر على بقعة جغرافية معيّنة أو ثقافة دون أخرى.
والرسالة التي يحملها هذا العمل قويّة ومؤثّرة: التعذيب لا يفيد والسلطة، أيّ سلطة، مهما استبدّت أو تجبّرت لا يمكن أن تحطّم إرادة الإنسان أو تشلّ قدرته على التحدّي والمقاومة أو تجهض حلمه في التحرّر والخلاص من أغلال العبودية والتهميش والاستبداد.
التعذيب، من حيث كونه وسيلة لإخضاع البشر وإهانة آدميّتهم، ظاهرة قديمة قِدَم الحضارة الإنسانية. الإغريق كانوا أوّل من استخدموه. والرومان أيضا عرفوا التعذيب وابتكروا الكثير من طرقه وأساليبه. وكثيرا ما كان أسرى الحروب يخضعون لأنواع رهيبة من التعذيب الوحشي لمنحهم موتا بطيئا ومؤلما. وأثناء محاكم التفتيش بلغت أساليب التعذيب مستوى غير مسبوق من الوحشية والساديّة.
منذ بداياته، كان سامي محمّد يبحث عن التفرّد بين أقرانه وزملائه. واهتمامه بقضايا الإنسان دفعه لأن يسجّل في أعماله الفظائع التي تُرتكب ضد الإنسان والمعاناة التي يتحمّلها كلّ صاحب رأي أو فكر حرّ.
ولد سامي محمّد الصالح في الكويت عام 1943م. وقد أظهر ميلا للنحت والرسم في سنّ مبكرة. كان أيضا يهوى الموسيقى وعُرف عنه براعته في العزف على آلة العود.
في ما بعد، درس النحت على يد كلّ من جمال السجيني وأنور السروجي.
كان مفتونا بـ هنري مور ورودان. لكنه كان منجذبا أيضا لـ مايكل انجيلو ودافنشي وجيان لورنزو بيرنيني.
في مرحلة لاحقة ابتعث إلى الولايات المتحدة التي تعرّف فيها على أساليب التعامل مع البرونز ودرس علم التشريح وعلاقته بالنحت.
في إحدى أشهر منحوتاته الأخرى وعنوانها "التحدّي"، نرى رجلا مقيّدا بشكل أفقي إلى عمود. لكنه، شأنه شأن شخصّيات الفنان الأخرى، يحاول باستماتة التحرّر من السلاسل والقيود التي تكبّله وتحاول شلّ حركته. إن إرادة الرجل ومقاومته قويّة بما يكفي لأن يتمكّن في النهاية من كسر العمود وتحرير نفسه على الرغم من حجم الألم وفداحة العذاب والمعاناة.
اليوم هناك فنّ قائم بذاته يُشار إليه أحيانا بـ فنّ التعذيب أو فنّ السجون، على غرار أدب السجون. ومن أشهر الرسّامين الذين تناولوا هذه الفكرة في أعمالهم الاسباني فرانشيسكو دي غويا، ومن المعاصرين الكولومبي فرناندو بوتيرو والكمبودي فان نات Vann Nath الذي قضى عدّة سنوات في معتقلات الخمير الحُمر ورسم لوحات كثيرة جسّد فيها بعض مظاهر العنف والقسوة التي شاهدها بنفسه أثناء سنوات سجنه.
من بين أعمال سامي محمّد الأخرى مجموعة من المنحوتات الجبسية والبرونزية أطلق عليها "سلسلة الصندوق". وفي كلّ منها يقبع إنسان داخل صندوق محكم. غير أنهم جميعا يجهدون من أجل كسر الصندوق والخروج من أسره الخانق. وقد أراد الفنان من خلال تلك السلسلة تصوير عزيمة وإصرار الإنسان العربي في محاولته التمرّد على الواقع السيئ وكسر الزنازين الكثيرة التي تطوّقه وتحكم سيطرتها عليه.
نال سامي محمّد العديد من الجوائز والشهادات التقديرية وعرض أعماله في أكثر من 140 معرضا.
كما تمّ تكليفه بإنجاز بعض المشاريع الجمالية كان آخرها تمثال من البرونز بعنوان "السدرة" قام بتشييده في دبي. وقد اختار هذه الشجرة لأنها ترمز لبيئة الخليج وترتبط في الوعي الجمعي لسكّان المنطقة بالصبر وبمعاندة الظروف المناخية القاسية. وقد حرص الفنان على أن يهدي التمثال للنساء العربيات اللاتي ساعدن في بناء المجتمع العربي بفضل وعيهن وعزيمتهن وإصرارهن على قهر كافّة القيود والتحدّيات.
ومن أشهر منحوتاته الأخرى "صبرا وشاتيلا" و"الأم" و"الجوع". وهناك أيضا تمثال "البحّار" الذي استمدّ فكرته من ارتباط الكويتيين القديم بحياة البحر والغوص.
أعمال سامي محمد تشي بمهارة وحرفية عالية وتنطوي على مضامين روحية وسياسية وفكرية وأخلاقية وإنسانية أصيلة استحقّ بفضلها أن يُحفر اسمه في قائمة أفضل الفنانين الخليجيين والعرب.


بورتريـه لزوجـة الفنـان للفنان النمساوي إيغـون شِـيـل

كان ايغون شيلا احد أكثر الرسّامين شهرة وتأثيرا في القرن العشرين.
وجزء من شهرته يعود إلى حقيقة انه عاش حياة عاصفة ومضطربة ومات في سنّ مبكّرة وهو لا يتجاوز الثامنة والعشرين.
وهناك من النقاد من يقدّرون فنّه ويثنون على موهبته. غير أن شيلا الحقيقي ظلّ دائما غامضا ومستعصيا على الفهم.
ويمكن التعرّف بسهولة على لوحاته اعتمادا على السمات الثابتة لشخصياته، كالعيون الفارغة والنظرات الضائعة والأجساد الشاحبة الهزيلة والأصابع الطويلة.
ويظهر أن طبيعة لوحات الفنان ونوعية مواضيعه لم تكن سوى انعكاس للتحوّلات التي كان يمرّ بها المجتمع النمساوي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
وثمّة من يقول إن رسوماته التي لا تروق للناظر كثيرا إنما تعكس عزلة شيلا ونفوره من مظاهر الازدواجية والنفاق التي كان سائدة في مجتمعه آنذاك. فقد كانت الطبقة الوسطى تدعي تمسّكها بالقيم الأخلاقية ولا تتردّد في انتقاد أفكار ونظريات سيغموند فرويد الثورية عن تأثير الدوافع الجنسية. غير أن تلك الطبقة كانت في نفس الوقت منغمسة في المتع الحسّية والجسدية.
ومع ذلك، كان مجتمع فيينا الثقافي في ذلك الوقت الأكثر ازدهارا في أوربّا وكان حاضنا للعديد من الأسماء الثقافية والفكرية البارزة مثل ستالين وفرويد وتروتسكي بالإضافة إلى عدد آخر من الكتّاب والفنانين الطليعيين.
وقد عاني شيلا من النبذ والتهميش بسبب نظرياته المتحرّرة عن الجنس ورسوماته العارية والمستفزّة. ووجد نفسه معزولا من الجميع باستثناء بضعة أفراد من ذوي النفوس الخيّرة وعلى رأسهم غوستاف كليمت أستاذه ومعلّمه الروحي.
وقد جلبت عليه رسوماته وأسلوب حياته البوهيمي الكثير من المتاعب. وفي إحدى المرّات اعتقل وحُكم بالسجن ثلاث سنوات بسبب ما قيل عن اختطافه واغتصابه لابنة احد النبلاء. كما اتهم بإفساد أخلاق العامة برسوماته العارية وأمرت المحكمة بإحراق بعضها.
في هذه اللوحة يرسم زوجته إديث التي تبدو جالسة وهي تحدّق في الفراغ. الألوان الثقيلة وضربات الفرشاة النشطة يذكّران بأسلوب كليمت. هنا تبدو الألوان غير طبيعية والخطوط مشوّهة إلى حدّ ما. والخلفية السوداء القاتمة تكرّس حالة الاغتراب والإحساس بالفراغ السيكولوجي.
وإذا استثنينا حقيقة أن المرأة تبدو محتشمة في اللوحة بخلاف لوحات الفنان الأخرى، فإنها لا تختلف كثيرا عن لوحاته التي رسمها لنساء. فملامح نساء شيلا قويّة ويخيّل إلى من ينظر إليهن أنهنّ يرتدين أقنعة تحجب حقيقة مشاعرهن عن الناظر.
والنساء في لوحات شيلا، خصوصا العارية، لسن أكثر من أدوات للرغبة. والجسد في رسوماته مصدر للذّة ويمكن أن يكون في نفس الوقت مصدرا للعذاب والألم.
ومعظم لوحاته تضجّ بالنرجسية والتمرّد والتوق والرغبة والقلق الوجودي. وطريقة تمثيله للجسد الإنساني لا تخلو من عنف واضح. وبعض النقاد يعزون هذه الجزئية إلى أن شيلا إنما كان يعكس في لوحاته ظاهرة العنف الذي كان يراه ينزل بالإنسانية كجزء من ظاهرة الحداثة.
وقصّة الفنّان مع زوجته مليئة بكلّ عناصر المفارقة والميلودراما. فقد تزوّجها في ذكرى زواج والديه. وبزواجه منها عرف الحبّ والاستقرار لأوّل مرّة في حياته. لكن بعد ثلاث سنوات من زواجه توفّيت بمرض الانفلونزا الاسبانية وهي حامل في شهرها السادس. وتوفي هو بعد ثلاثة أيّام من وفاتها متأثّرا بإصابته بنفس المرض.
وهناك من يرى أن ايغون شيلا كان يهدف من وراء رسوماته إلى إظهار قسوة الحياة وتناقضاتها في المجتمعات الصناعية الحديثة.
والغريب أنه ظلّ رومانسيا في عيون أجيال من الشباب الذين تربّوا على الجنس والمخدّرات والموسيقى العنيفة والصاخبة.
كما أن حياته القصيرة أضفت طابعا فانتازيا على صورته فتحوّل بعد موته إلى نموذج للفتى المتمرّد والخارج على القانون الذي عاش حياة بائسة وانطفأ نجمه قبل الأوان.


فيلـوكتيتـيس الجـريـح للفنان الدانمركي نيكـولاي ابيلـدغـارد

الشخص الظاهر في هذه اللوحة ليس مصارعا ولا ملاكما. كما انه ليس بطلا في كمال الأجسام كما قد يظنّ الناظر لأوّل وهلة.
وانتفاخ جسمه الغريب ليس بالضرورة دليل صحّة أو عافية.
بل على العكس من ذلك، فالمشهد يقدّم صورة للألم الجسدي والمعاناة بأجلى صورهما.
لكن لنفترض أوّلا أن شخصا لدغته أفعى، كيف ستبدو تعابير وجهه واستجابة جسده للحادثة؟
الإجابة البسيطة عن هذا السؤال هو أن استجابته ستكون مزيجا من الصراخ والنظرات المرعوبة من اثر الصدمة والشعور بالألم.
لكن الرسّام ابيلدغارد اختار أن يصوّر هذا الموقف الإنساني العصيب بطريقة مختلفة وغير مألوفة.
والفنان يجسّد في هذه اللوحة، التي تعتبر أشهر لوحاته، قصّة البطل الإغريقي فيلوكتيتيس.
كان فيلوكتيتيس رامي سهام عظيما في اليونان القديمة. وفي طريقه إلى حصار طروادة حدث أن لدغته أفعى سامّة في قدمه.
كان ذاهبا إلى الحرب لإظهار براعته في رمي السهام. لكن الأفعى قطعت عليه الطريق وسبّبت له معاناة لا توصف.
بدأ الجرح يتقيّح وتنزّ عنه رائحة كريهة ومقزّزة. وأصبح البطل يعاني من نوبات من الصراخ والعويل الذي لا ينقطع.
ولأن حالته بدت ميئوسا منها، فقد قرّر رفاقه أن يتخلّوا عنه فتركوه لوحده فوق جزيرة منعزلة وأبحروا مبتعدين.
الأسطورة وفّرت للرسّام فرصة لتصوير الألم. ولكي يثبت براعته عمد إلى تعرية بطله. غير انه لم ينشغل كثيرا بتصوير مكان الألم، أي القدم. كما لم يهتمّ بتصوير صراخ البطل وعويله. بل فضّل أن يرسم ألمه الجسدي العام من خلال تصوير تشنّجات واهتزازات الجسد بأكمله.
في اللوحة يبدو فيلوكتيتيس متكوّما على نفسه من هول إحساسه بالألم، وفكّه ملتصق بركبته، بينما انثنى عموده الفقري كالدائرة. التشريح في هذه اللوحة غريب جدّا. العضلات متضخّمة، والظهر مقوّس ومشدود بعنف والمسافة بين الأعضاء والمفاصل أطول مما ينبغي.
القوّة التعبيرية في اللوحة واضحة. شعر البطل الذي تطيّره الرياح القويّة يضفي على المشهد بعدا دراميا إضافيا. ومع ذلك قد لا يشعر الناظر بكثير من التعاطف مع البطل، ربّما لأن الألم هنا يبدو مسرحيا واستعراضيا إلى حدّ كبير.
ابيلدغارد اشتهر بأسلوبه الرومانسي. وهو يُلقّب بأبي الرسم الدانمركي. ويعود إليه الفضل في انه وضع الأساس لحقبة في الفنّ سُمّيت بالعصر الذهبي للرسم الدانمركي.
وقد كان منجذبا إلى شكسبير وهوميروس وسقراط وكانت تستهويه أساطير الشمال والملاحم الإغريقية. كما كان صديقا للرسّام السويسري هنري فوزيلي الذي زامله في روما حيث درسا هناك أعمال مايكل انجيلو. وفي ما بعد قام باستنساخ لوحة فوزيلي المشهورة "الكابوس" بعد أن أجرى عليها بعض التعديلات.
لا بدّ وأن ابيلدغارد رسم هذه اللوحة وفي ذهنه شخوص مايكل انجيلو بعضلاتهم المفتولة وأطرافهم المتضخّمة.
لكن كيف كانت نهاية البطل المشئوم فيلوكتيتيس؟
لحسن حظّه لم تنجح الآلهة في إجهاض أحلامه بتحقيق المزيد من الانجازات والانتصارات.
إذ تذكر الأسطورة انه قضى في عزلته في الصحراء عشر سنوات. وبعد أن شُفي من عضّة الأفعى التحق بالحرب وكان من ضمن المقاتلين الذين اختبئوا داخل حصان طروادة الخشبي.
وقد كانت قصّته موضوعا لمسرحيتين؛ الأولى للأديبة الفرنسية جورج صاند والثانية للشاعر الايرلندي الحائز على نوبل في الآداب شيموس هيني.
كما استلهم الشاعر الانجليزي وليام ووردزوورث أحداث أسطورة فيلوكتيتيس في إحدى قصائده.
عمل الفنان نيكولاي ابيلدغارد أستاذا بأكاديمية الفنون في كوبنهاغن. وعُرف بدفاعه عن الإصلاح السياسي وحرّية الفكر. كما كان مناوئا للنظام الملكي ولسلطة الكنيسة. وبعض لوحاته ما تزال إلى اليوم تزيّن قاعات مجلس النوّاب وبعض القصور الملكية في بلاده.


السايكلوب أو ذو العيـن الواحـدة للفنان الفرنسـي اوديـلـون رِيـدون

بالنسبة للكثيرين فإن مجرّد تخيّل أن هناك كائناتٍ بعين واحدة وقريبة الشبه بالبشر كفيل بأن يملأ النفس خوفا وهلعا.
ولا بدّ وأن ذاكرة الكثيرين منا تحتفظ ببعض القصص المرعبة التي يلعب ذو العين الواحدة دور البطولة فيها.
الإغريق كانوا يسمّونه السايكلوب. وهو كائن خرافي ضخم من فصيلة العمالقة له عين واحدة كبيرة ومستديرة في منتصف جبهته. وقد ورد ذكر هذه المخلوقات الأسطورية لأوّل مرّة في أوديسّا هوميروس.
والذي يرى صورة السايكلوب في الرسومات القديمة لا بدّ وأن يتذكّر "الغول" الذي يرد ذكره كثيرا في الأساطير العربية القديمة ويوصف بأنه حيوان ليلي وآكل نهم للحوم البشر بالإضافة إلى اتصافه بالقوّة والغدر وبشاعة المنظر.
هوميروس يذكر أن مخلوقات السايكلوب كانوا أبناءً لأورانوس "السماء" وغايا "الأرض". لكن بسبب خوف والدهم من قوّتهم وشدّة بأسهم قام بحبسهم في ارض الجحيم "تارتاروس" إلى أن حرّرهم كبير الآلهة زيوس.
وقد كافئوا زيوس على صنيعه بأن سخّروا له الرعد والبرق لاستخدامهما ضدّ أعدائه الكثر.
في ما بعد انقرضت هذه الكائنات نهائيا من الأرض بعد أن قضى عليها أبوللو اثر تسبّبها في مقتل ابنه، حسب ما تذكره الأساطير.
الرسّام الفرنسي اوديلون ريدون رسم هذه اللوحة وفيها يظهر سايكلوب ضخم وهو يطلّ على طبيعة غامضة. وفي وسط المنظر الطبيعي تستلقي امرأة عارية.
وعلى خلاف المتوقّع، فإن شكل السايكلوب ونظراته في اللوحة لا توحي بالخوف. بل يبدو كائنا ضعيفا، خجولا ومثيرا للشفقة.
هذا المنظر قد يكون تعبيرا عن العزلة أو المعاناة أو الألم. نظرات الكائن الغريب يمكن أن تكون انعكاسا لتوقه في أن يغادر هيئته ويتحرّر من صورته النمطية ويصبح شخصا آخر.
لكن لا يبدو من المتيسّر فهم العلاقة بينه وبين والمرأة المستلقية في المنحدر الأخضر أسفل منه.
ترى لو كان للكائن عينان هل كان سيرى المرأة في الأسفل بهيئة مختلفة؟ وهل النظر بعينين يوفّر دائما صورة أكثر شمولا للأشياء مما لو كان بعين واحدة؟ وهل يمكن أن تتغيّر خصائص بعض المخلوقات لو قُدّر لها أن ترى بعض ملامح العالم الواقع خارج حدود تصوّراتها ومداركها؟
كان اوديلون ريدون يتعمّد الغموض في لوحاته التي تتّسم برمزيتها وبعمقها السيكولوجي وأحيانا بشاعريّتها. غير انه كان يضمّن بعضها تلميحات وإشارات تدفع الناظر إلى التفكير في محاولة لفهم العلاقة بين عناصرها وأجزائها المختلفة وصولا إلى فهم الصورة الكبيرة والكاملة.
وكان يستمدّ رسوماته الغامضة والمليئة بالكائنات الغريبة من الأحلام والفانتازيا ومن أحداث ما قبل التاريخ. ويبدو أن ميله لتصوير القصص الميثولوجية كان ناتجا عن تأثّره بكل من رمبراندت وديلاكروا.
هناك من يُرجِع أصل أسطورة السايكلوب إلى الغول الذي تذكر المأثورات الشعبية أن له عينا ثالثة في مؤخّرة رأسه.
غير أن هناك رأيا آخر يقول إن الفكرة استوحيت من جمجمة الفيل التي وجدت في العصور القديمة في بعض جزر اليونان. وقد توهّم الناس وقتها أن عينا كبيرة ووحيدة كانت تستقرّ في الفجوة الأنفية الكبيرة الكائنة في منتصف وجهه.
في بعض حكايات ألف ليلة وليلة نلمس حضورا متكرّرا لذي العين الواحدة. في إحدى المرّات يكتشف السندباد آثار أقدامه في الرمال بينما كان هو ورفاقه يبحثون عن طعام فوق إحدى الجزر البعيدة والغامضة. ثم يفاجئون بهدير كالرعد ينبعث من احد الكهوف القديمة. وتجري معركة عنيفة بين الطرفين يتمكّن الرجال في نهايتها من الإفلات من قبضة الوحش تاركين له المصباح السحري قبل أن يواصلوا رحلتهم إلى بغداد.
عُرف عن اوديلون ريدون اهتمامه بعلم النفس والعقل الباطن. وكان معجبا بكتابات الأدباء الرمزيين وخاصّة صديقه الشاعر مالارميه.
ومن أشهر لوحاته الأخرى بورتريه فيوليت هايمان، الزنزانة الذهبية، وقارب أحمر بشراع أزرق.
وقد بيعت إحدى لوحاته قبل خمسة أعوام بأربعة ملايين دولار.


الكــلــب للفنان الإسباني فرانشيسـكو دي غــويا

لا بدّ وأن معظمنا سمع باللوحات السوداء التي رسمها الفنان الاسباني دي غويا على جدران منزله قبيل وفاته.
كان غويا في تلك الفترة يمرّ بأقسى مراحل حياته. وكان قد فقد زوجته وأولاده جميعا ووقع فريسة الاكتئاب والصَمَم والرؤى السوداء.
وقد بدأ رسم اللوحات السوداء، وعددها 14 لوحة، في مطلع العام 1819 وضمّنها صورا لكوابيس وساحرات وأشباح ومناظر مرعبة توّجها بلوحته المشهورة والمزعجة "ساتورن يفترس أبناءه".
هذه اللوحة واسمها "الكلب" هي إحدى أشهر تلك اللوحات، وأحد أكثر الأعمال غموضا في تاريخ الرسم العالمي.
"الكلب" تصوّر طبيعة كئيبة ذات لون اصفر وبنّي يتوسّطها صورة لكلب لا يظهر منه سوى رأسه.
ما قصّة الكلب؟ وما دلالته؟ وهل الصورة استعارة لشيء أو فكرة ما؟
لا أحد يعرف الإجابة على وجه التأكيد. وما تزال اللوحة تثير الكثير من التفسيرات والقراءات المختلفة والمتناقضة.
في الكوميديا الإلهية يتحدّث دانتي عن كلب يقود أرواح الخاطئين والعصاة من بني البشر إلى حيث نار الجحيم والعذاب الأبدي. وثمّة احتمال بأن تكون القصّة أوحت لـ غويا برسم هذا المنظر الغريب والمحيّر.
وربّما أراد من وراء صورة الكلب الوحيد والغامض أن تكون رمزا لحالة الوحدة والمعاناة التي كان يعيشها في تلك المرحلة الصعبة من حياته.
لكن هناك تفسيرات أخرى أكثر إثارة للاهتمام. الكلب في اللوحة يبدو خائفا مذعورا كما لو انه تُرك وحيدا في هذا المكان المقفر الموحش.
إنه يغرق شيئا فشيئا في الرمال المتحرّكة ويحدّق في الفراغ إلى أعلى بيأس وفي عينيه نظرات قلقة ومثيرة للشفقة.
وهناك احتمال أنه عالق وغير قادر على انتزاع نفسه أو انه يحاول أن يحمي نفسه ويتقي خطرا قادما من أعلى قد يكون عاصفة أو طوفانا.
فقط رأسه هو الظاهر في الصورة فيما بقيّة جسمه مغمور. ومن الواضح أن الكلب مجرّد من أي إحساس بالحركة أو الفعل؛ الأمر الذي يوحي بأن فرص الهرب أو النجاة أمامه ضئيلة ومحدودة.
ولا يبدو في المشهد ما يشير إلى بقعة أو مكان ما يمكن أن يوفّر له ملاذا من العالم الخطير الذي يطبق عليه من فوقه ومن تحته.
وقد يكون الكلب جريحا وينتظر الموت. الموت الذي ينتظر الرسّام أيضا.
وربّما كان غويا يرى في الكلب انعكاسا لحالته هو. فالكلب يبدو هنا وكأنه يقاتل ضدّ التيّار. غويا، أيضا، كان دائم السباحة عكس التيّار قبل أن تنهكه متاعب اسبانيا ومشاكلها الكثيرة.
ويُحتمل أن يكون الفنان أراد أن يكون الكلب تجسيدا لحالة اسبانيا في ذلك الوقت والتي كانت تنجرف باتجاه الهاوية بفعل قوى لم يكن ممكنا كبحها أو السيطرة عليها.
بعض النقاد يرون أن اللوحة تدلّ على قوّة البساطة في التعبير. وهناك من وصفها بأنها أجمل لوحة في تاريخ الفنّ العالمي.
الرسّام المشهور خوان ميرو طلب قبل أن يموت أن يذهب إلى متحف برادو في مدريد ليرى لوحتين فيه للمرّة الأخيرة: الأولى وصيفات الشرف لـ فيلاسكيز والثانية لوحة غويا هذه.
رسم غويا اللوحات السوداء بعد مرضه الخطير عام 1819. وقيل انه رسمها مدفوعا بيأسه من الحرب وبمعاناته النفسية جرّاء إصابته بالصَمَم الكامل.
وقد أطلق عليها المؤرّخون هذا الاسم لطغيان اللون الأسود عليها. غير أنها أيضا تعكس مزاج غويا المظلم وتشاؤمه وحالته العقلية في تلك الفترة.
اللوحات بوجوه أشخاصها المشوّهة وأجسادهم المعذّبة تتضمّن سخرية فاقعة من الحياة وخيبة أمل كبيرة من البشر. كما أنها تمثل قطيعة مع أعمال الفنان المبكّرة التي اتسمت بمواضيعها المرحة وبنظرتها المتفائلة للحياة.
في إحدى اللوحات السوداء واسمها "ليل الساحرات أو التيس العظيم" يرسم غويا الشيطان في هيئة تيس ضخم له قرون طويلة ويرتدي زيّ كاهن وقد وقف يعظ جمعا من أتباعه الذين تظهر على ملامحهم تعابير الصدمة والهلع. هذه اللوحة قد لا تبدو مخيفة كثيرا لكنها مزعجة بأجوائها الكابوسية والمقبضة.
وفي لوحة أخرى بعنوان "الحجّ إلى سانت إيزيدرو" يرسم الفنان مجموعة من الكهّان الذين يمشون بلا هدف أو غاية ويرفعون أصواتهم بالإنشاد وسط طبيعة سوداء قاحلة. هنا أيضا تبدو تعابير الأشخاص في حال من الجزع والهوس والكرب. ويقال إن هذه اللوحة تتضمّن انتقادا مبطّنا لرجال الكنيسة بدليل الطريقة الغريبة التي رُسم بها الرهبان.
وفي لوحة "العجوزان" يرسم غويا شخصين أحدهما بهيئة عجوز له لحية طويلة وإلى جواره شخص ذو ملامح شرّيرة وقد راح يصرخ في أذن العجوز. وهناك نظرية تقول إن العجوز هو غويا نفسه والرجل إلى جانبه هو شيطان إلهامه الذي يتعيّن عليه من الآن أن يصرخ بعد إصابة الفنان بالصمم.
وفي لوحة "المنازلة" نرى رجلين يتعاركان بالهراوات الثقيلة وقد انغرزت أقدامهما في الرمل. الصراع هنا يبدو حقيقيا. انه قتال حتى الموت ولا سبيل لحسمه إلا بموت احد الرجلين. وفي هذا إشارة ضمنية إلى الحرب الأهلية.
اللوحات السوداء ظلّت دائما عرضة للتأويلات والتفسيرات المتناقضة. وقيل إنها محمّلة بمعانٍ ومضامين فلسفية ورمزية. وقد ثبت في ما بعد وعلى عكس التصوّر السائد، أن غويا لم يرسمها عفو الخاطر بل حضّر لها جيّدا وعمل لها اسكتشات عديدة ولم يكن اهتمامه بها اقلّ من اهتمامه بلوحاته الأولى.
بعد أن أتمّ غويا رسم اللوحات السوداء غادر اسبانيا قاصدا مدينة بوردو الفرنسية التي بقي فيها حتى وفاته. وانتقل بيته الذي يضمّ تلك اللوحات من مالك لآخر إلى أن استقرّ في عهدة احد البارونات الذي أمر بنقل اللوحات الجدارية إلى الورق قبل أن يتبرّع بها لمتحف برادو الذي ظلّت فيه إلى اليوم.


انتصــار المــوت للفنـان الهولندي بيـتر بـريغــل

أينما نظرت في هذه اللوحة، لا تجد سوى الموت. ولهذا السبب تُصنّف على أنها إحدى أفظع الصور في تاريخ الفنّ التشكيلي.
في هذا المشهد البانورامي الضخم نرى جيشا من الهياكل العظمية وهي تشقّ طريقها وسط إحدى المدن. الهياكل رمز للموت الذي يصطاد الأحياء ويقتلهم بلا تمييز ودون شفقة أو رحمة.
حتى التفاصيل الطبوغرافية للمكان لا تشي سوى بالموت والخراب: النهر، الشاطئ والنيران المشتعلة في البحر.
ووسط هذه الفوضى العارمة، يحاول الناس المذعورون الهرب بينما يقرّر بعضهم أن يقاتل، لكن بيأس.
التفاصيل في اللوحة كثيرة جدّا. ويخيّل للناظر أن الرسّام عاجز عن مواكبة الرغبة الهائلة التي يبديها رسُل الموت في القتل والتدمير.
الحرب هنا ليست عادلة ولا متكافئة. ويبدو أن لا سبيل لوقف جيش الموت من التقدّم وحصد المزيد من الأرواح.
كما أن الجيش الغازي لا يميّز بين الضحايا ولا يفرّق بين ملك أو فلاح أو نبيل أو رجل أو طفل أو امرأة. فالجميع مستهدفون.
كما أن جيش الموت بارع في تنويع طرق القتل، من قطع الأعناق إلى الشنق والإغراق في الماء والصلب وحتى استخدام الخوازيق المنصوبة في الهواء.
الطبيعة شبه محروقة. وبالكاد نلمح وجودا لشجرة أو نبات أو أي شيء يدلّ على حياة. وتبدو السفن مشتعلة أو غارقة في الميناء بينما ترتفع أعمدة الدخان من الأبراج التي تلوح من بعيد.
وبعض التفاصيل في اللوحة تعمّق الحضور الموحش والمشئوم للموت وتكرّس الإحساس باليأس الذي يثيره المنظر. التوابيت، أكداس العظام والجثث الملقاة على الأرض، الكلاب الضالّة التي تنهش الجثث، الهياكل التي تقود عربة محمّلة بالجماجم والشخص الذي يعزف الموسيقى وهو غير منتبه لما يجري.
ثم هناك الغرفة المستطيلة والغريبة الشكل إلى يمين اللوحة حيث يُحشر بداخلها الناس إلى حتفهم. ولا يبدو أن الصُلبان المرسومة حولها تقدّم وعدا بالخلاص أو البعث على نحو ما تبشّر الأفكار المسيحية.
ويُحتمل أن بريغل عمد إلى رسم الرموز الدينية في اللوحة لكي يضفي على المنظر إحساسا بالسخرية والعدمية وكأنه يقول أن لا مكان للحديث عن الدين والخلاص وسط كلّ هذه الوحشية والبشاعة.
لا يُعرف على وجه التحديد السبب الذي دفع بريغل إلى رسم هذه اللوحة.
لكنّ الثابت أن الرسّام عاش في عصر اتسم بكثرة الحروب والحملات العسكرية. وقبل ذلك شهدت أوربّا ذروة اشتداد المعارك والكراهية بين الكاثوليك والبروتستانت.
وهناك من يربط موضوع اللوحة بحادثة اكتساح جيوش اسبانيا للأراضي الهولندية وبالمناخ السياسي المتوتّر في أوربّا الذي سبق نشوب ما عُرف بحرب الثمانين عاما.
غير أن ثمّة من يقول إن اللوحة يمكن أن تكون تصويرا لأجواء الاضطراب الاجتماعي والرعب الذي أعقب انتشار مرض الطاعون القاتل في أجزاء واسعة من أوربّا أثناء القرون الوسطى.
بشاعة اللوحة منحت بريغل قدرا اكبر من الذيوع والشعبية في زمانه. رغم انه جاءت بعده حروب كثيرة ارتكبت فيها مجازر وفظائع اشدّ وأقسى مما صوّره في هذه اللوحة.
الموت، كفكرة دينية وفلسفية، كان موضوعا مفضّلا للكثير من الرسّامين لقرون عديدة.
في القرون الوسطى، كانت معدّلات الحياة أقصر مما هي عليه اليوم بسبب كثرة الحروب وانتشار الأوبئة والأمراض المعدية كالكوليرا والطاعون. ولهذا السبب ازدهرت الرسومات الدينية التي كانت تربط الموت بالدين.
وغالبا ما كانت هذه الرسومات تُعلّق في الكنائس والأديرة كنوع من العزاء والسلوى لجمهور المؤمنين ولتذكيرهم بالآخرة.
وفي بعض الأحيان كان الموت يأخذ شكل رجل يمتطي حصانا ذا هيكل عظمي. كما يظهر أحيانا ممسكا بمنجل مقوّس أو سيف وترس ويداه ممدودتان في إشارة إلى انتصاره على البشر.
وفي بعض اللوحات التي تعود إلى تلك الفترة يظهر الموت على هيئة امرأة بوجه شبحي وملابس سوداء.
وهناك نوع آخر من الرسومات التي تصوّر ملاك الموت على شكل امرأة شابّة لها جناحان ووجه تكسوه تعابير الرقّة والشفقة.
ومن أشهر الرسّامين الذين تناولوا الموت في أعمالهم ألبيرت ديورر وهيرونيموس بوش وإيغون شيلا وإدفارد مونك وألبرت رايدر وإيفلين دي مورغان.


من نحن؟ من أين أتينا؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ للفنان الفرنسي بـول غوغـان

يطرح غوغان في هذه اللوحة ذات الاسم الطويل ثلاثة أسئلة تختزل حيرة الإنسان وقلقه الوجودي وعجزه عن فهم الحياة.
كان الفنّان الفرنسي كان قد قضى جزءا من حياته في جزيرة تاهيتي حيث كان يعكف على رسم النساء الهنديات وتصوير مظاهر الحياة البدائية هناك.
وقد عُرف عنه أنه كان مثالا للفنان البوهيمي الذي عاش حياته طولا وعرضا ولم يؤمن يوما بسلطة التقاليد أو الأعراف الاجتماعية.
وطوال حياته، كان غوغان دائم السفر والتنقّل، ولم يهدأ أو يستقرّ أبدا. وقد أصبح نموذجا للفنان المتجوّل وحيدا والذي لا يتردّد في التضحية بحياته في سبيل فنّه.
غادر غوغان مجتمع المدنية الحديثة في باريس وأخذ طريقه وحيدا نحو البحار الجنوبية النائية بحثا عن الجنّة التي تغذّي روحه وتثري خياله وتروّض جموح نفسه الثائرة.
وقد وجد بغيته في تاهيتي. كانت تلك الجزيرة قد اكتُشفت على أيدي البريطانيين في القرن الثامن عشر. وفي نهاية القرن التاسع عشر أصبحت هي وغيرها من جزر بولينيزيا أرضا فرنسية.
وكانت تأثيرات الثقافة الغربية قد بدأت بتقويض التقاليد القديمة لسكّان تلك الجزر من هنود الماوري. لذا عندما وصلها غوغان، كانت قد فقدت جزءا من سحرها وبراءتها وصورتها الفردوسية التي طالما ارتسمت في مخيّلته.
ويقال إن غوغان حاول في إحدى المرّات الإقدام على الانتحار. حدث هذا قبيل رسمه هذه اللوحة التي يعتبرها الكثيرون تحفته الفنّية بلا منازع.
كان يعاني من تدهور حالته المادّية. وقد ساءت أموره أكثر بعد أن رفض مساعدة الحكومة له على أساس انه لا يقبل صدقة من أحد.
وفي الوقت نفسه كان الرسّام يعاني من آثار الإدمان على الكحول ومن إصابته بمرض الزهري الذي انتقل إليه على الأرجح أثناء إقامته في جزر المارتينيك.
غير أن الحدث الذي كان له تأثير مدمّر عليه كان موت ابنته وهي في سنّ الحادية والعشرين. وما زاد معاناته أكثر اتهام زوجته له بأنه وراء ما حدث بسبب تخلّيه عن واجباته تجاه بيته وعائلته.
وقد صُدم الفنان كثيرا بموت ابنته. ولم يلبث أن أعلن انه لم يعد بحاجة إلى الله وفقد اهتمامه كلّيا بالدين وأصبح يميل إلى الأفكار الفلسفية المتشائمة.
في سياق هذه الظروف رسم غوغان هذه اللوحة الضخمة التي هي أشبه ما يكون بشرح لنظرية التطوّر. إلى أقصى يسار اللوحة نرى مومياء قديمة تغطي أذنيها بيديها. وخلفها آلهة زرقاء من الحجر تشبه ملامحها آلهة الهنود.
والى أقصى اليمين ينام طفل على الأرض قد يكون أراده رمزا للحياة والبراءة. وعلى مقربة منه تجلس ثلاث نساء تاهيتيات.
وفي منتصف اللوحة من الأمام يظهر رجل شابّ وهو يقطف الفاكهة التي قد تكون رمزا لقصّة آدم وحوّاء. وعلى الأرض قطط وكلاب وطيور ونساء.
والمشهد كلّه يشي بنوعية حياة لا مكان فيها سوى للبدائية والبساطة.
ومن الواضح أن غوغان في هذه اللوحة، كما في لوحاته الأخرى، يتعامل مع البراءة والبدائية باعتبارهما الملاذ الوحيد أمام الإنسان للإفلات من قبضة الألم والمعاناة.
المكان الذي تصوّره اللوحة يجسّد جمال الطبيعة الاستوائية، حيث الشمس المتوهّجة والألوان الساحرة التي طالما جدّ غوغان في البحث عنها.
في اللوحة مجموعات من الناس وكلّ واحدة منهمكة في نشاط ما. في الخلفية يبدو نهر صغير ازرق لامع يمرّ عبر الغابة وجبال تلوح من بعيد وقد كساها ضباب خفيف. وإلى أقصى اليسار سيّدة عجوز تبدو وكأنها على وشك الموت، أي نقيض ما توحي به صورة الطفل في الجهة المقابلة من اللوحة عن الولادة واستمرارية الحياة.
وقد استوحى غوغان هيئة العجوز من تمثال محنّط جيء به من بيرو وشاهده في احد متاحف باريس.
كان غوغان دائم البحث عن الجمال النقي ليصوّره بأسلوب بدائي ألهم في ما بعد بيكاسو وترك أثره على ماتيس.
وقد كشف ذات مرّة أنه اعتمد في رسم الأجساد العارية في لوحاته على صور لأشخاص في معبد بوذا العظيم في اندونيسيا. وكان قد اشترى تلك الصور من باريس في إحدى السنوات واحتفظ بها معه بقيّة حياته.
هذه اللوحة تدعو الناظر إلى أن يتأمّل معنى الحياة من خلال الرموز التي وضعها الفنان فيها.
وهي تذكّرنا بلوحات أخرى تعالج نفس هذه الفكرة وتطرح تساؤلات وجودية وفلسفية عن كنه الحياة ومعنى الوجود، مثل رحلة الحياة لـ توماس كول ورقصة الحياة لـ إدفارد مونك.
ولوحات غوغان كلّها، تقريبا، تتناول الانفعالات والتأمّلات المتعلقة بالوجود الإنساني.
وفي بعض لوحاته تلك، ترتسم على وجوه النساء نظرات خالية من أيّ شعور أو عاطفة وكأنها انعكاس لنظرة الفنان نفسه المتشكّكة والحائرة.
بعد أن أكمل غوغان رسم هذه اللوحة، كتب إلى احد أصدقائه يقول: إنني متأكد أنني لن أرسم لوحة أفضل من هذه، ولا حتّى مثلها".
وبعد ذلك بأربع سنوات توفي إثر أزمة قلبية وهو في سنّ الرابعة والخمسين.
كان غوغان ينتمي لعائلة من الطبقة الوسطى. والده كان صحافيا وأمّه تنتمي إلى عائلة ارستقراطية تعود جذورها إلى بيرو بأمريكا الجنوبية.
ورغم أن غوغان مات فقيرا ومريضا ولم يحصل على التقدير الذي كان يستحقه في حياته، فإن لوحاته تباع اليوم بالملايين.
ومؤخّرا بيعت لوحته المسمّاة الأمومة بأكثر من تسعة وثلاثين مليون دولار أمريكي.


إنسـان فيتـروفيـوس للفنان الإيطــالي ليــونــاردو دافـنـشـي


هذه اللوحة مهمّة جدّا، ليس فقط لأننا اعتدنا رؤيتها في الكثير من الأماكن، وإنما لأنها أيضا ترمز إلى امتزاج الفنّ بالعلم خلال عصر النهضة، كما أنها توفّر دليلا آخر على عبقرية دافنشي وتنوّع مشاغله واهتماماته.
في اللوحة يصوّر ليوناردو رجلا عاريا في وضعين عموديين متداخلين، بينما تبدو ذراعاه وساقاه في حالة تماسّ مع محيط مربّع ودائرة. وفي أعلى اللوحة وأسفلها سجّل الرسّام بعض الملاحظات التي أراد من خلالها أن يشرح ما قصده من اللوحة.
وعلى الرغم من بساطة الشكل المرسوم فإنه أصبح مع مرور الأيّام احد أشهر الأعمال التشكيلية وأوسعها انتشارا. وكثيرا ما تُستدعى اللوحة عند الحديث عن مواضيع مثل التناغم الداخلي والشفاء الذاتي من خلال اليوغا والتأمّل.
وليس بالمستغرب أن يكون للّوحة هذا الظهور الدائم والمتكرّر في الإعلانات وعلى شعارات المراكز والنوادي الصحّية.
والأساس الذي بنى عليه دافنشي موضوع اللوحة هو فكرة وردت في كتاب للمهندس المعماري الروماني ماركوس فيتروفيوس الذي عاش في القرن الأوّل قبل الميلاد.
كان فيتروفيوس، بالإضافة إلى اشتغاله بالهندسة المعمارية، مهتمّا بالفلسفة وبالأمور الروحانية. وكان يتبنّى فكرة تقول بالتكامل بين شكل الجسد الإنساني والبنى المعمارية. كما كان ميّالا إلى استخدام مصطلحات معمارية لوصف جسم الإنسان، مؤكّدا على أن العمارة الجيّدة ليست في واقع الأمر سوى استمرار لقوانين الطبيعة.
ولطالما اعتبر فيتروفيوس جسم الإنسان نموذجا للكمال وأن شكل أطرافه يتفق مع الأشكال الهندسية الكاملة، أي الدائرة والمربّع.
فلسفة فيتروفيوس وأفكاره الهندسية لاقت رواجا واسعا خلال عصر النهضة الإيطالي. وقد طُبّقت مبادئه وأفكاره في تصميم الكنائس التي روعي في بنائها الأشكال الدائرية، باعتبار أن الدائرة مرتبطة بالقداسة وباكتمال الخَلق وإحكامه. وهو ما كان يقول به فيتروفيوس وغيره من فلاسفة الرومان القدماء.
وكانت تلك الأفكار مصدر إلهام للكثير من الرسّامين. وقد حاول ليوناردو من خلال هذا الرسم المنفّذ بالحبر الأسود توضيح عنصري التكامل والسيميترية اللذين تحدّث عنهما الرومان في العلاقة بين المعمار وجسم الإنسان.
وما ساعد ليوناردو على إتمام هذه المهمّة براعته ومعرفته الواسعة بالتشريح والهندسة المعمارية. واللوحة تعبّر عن فهم الفنان للعلاقة الوثيقة بين الإنسان والطبيعة. إذ كان دافنشي يعتقد بأن وظائف جسم الإنسان تشبه كثيرا وظائف الكون وتتكامل معها. كما كان يرى في المربّع رمزا للوجود المادّي وفي الدائرة رمزا للوجود الروحي. ولعلّه أراد من خلال اللوحة أيضا أن يؤكّد على العلاقة القويّة والمتبادلة بين هذين العنصرين.
من المعروف أن فيثاغوراس، أيضا، تبنّى أراءً قريبة ممّا قال به فيتروفيوس ودافنشي. كان يرى، مثلا، أن الدائرة مرتبطة بالسماء وبالكواكب التي تدور حول الأرض؛ ما يعطيها، أي الدائرة، رمزية روحية. وهذا ما يفسّر اهتمام الناس بتوظيف الأشكال الدائرية في بناء المعابد والكنائس وغيرها من دور العبادة. بينما المربّع مرتبط بالعالم المادّي، فهناك أربعة فصول وأربعة عناصر وأربعة اتّجاهات.. إلى آخره.
كما كان فيثاغوراس يعتقد أن الرموز والتجريدات الرقمية تشكّل أساسا لفهم العلاقة بين الإنسان والكون، وأن فهم هذه العلاقة بشكل أفضل لا يتحقّق إلا من خلال التأمّل والغذاء النباتي والتمسّك بأهداب الأخلاق والفضيلة.
الغريب أن فيثاغوراس عاش في نفس الفترة التي عاش فيها بوذا. وكلاهما كان معنيا بمسائل التأمّل والتطهير والتقمّص والطبيعة المزدوجة للإنسان.
الجدير بالذكر أن ليوناردو دافنشي لم يكن الرسّام الوحيد الذي حاول تصوير العلاقة بين الإنسان والكون. فقد جاء بعده فنّانون حاولوا تقليد هذه اللوحة والنسج على منوالها، ومن أشهرهم الرسام وليام بليك والنحّات أندرو ليستر.


حالـة إلهــام للفنان الفرنسي غِـيـوم سِيـنـيـاك

الذي ينظر إلى هذه اللوحة ويستوقفه تناغم ألوانها ورقّة تفاصيلها قد يظنّ أنها لوحة منسيّة أو غير معروفة لـ ويليام بوغورو . وهذا الانطباع ليس في مكانه تماما، مع أن له ما يبرّره.
فـ غِيوم سينياك كان احد الرسّامين الذين تتلمذوا على بوغورو وتأثروا كثيرا بأسلوبه الأكاديمي وبطريقة اختياره لمواضيع لوحاته.
ومن هنا قرب الشبه بين لوحات الاثنين.
وربّما كان هذا احد الأسباب المهمّة في أن اسم سينياك غير معروف كثيرا اليوم. فلوحاته تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن لوحات بوغورو. وهذه السمة لوحدها كفيلة بأن تجعل منه رسّاما يفتقر إلى الأصالة والتجديد إلى حدّ ما.
لكنْ قد يكون عذر سينياك هو انه لم يجد في زمانه رسّاما جديرا بالمحاكاة والتقليد خيرا من أستاذه الذي لا يتردّد بعض النقاد اليوم في وصفه بأنه احد أعظم الرسّامين الذين عرفهم تاريخ الفنّ.
وعلى كلّ، فقد كان سينياك مشهورا كثيرا في عصره وكان احد الفنانين الذين كانوا يعرضون أعمالهم بانتظام في صالون باريس ونال على بعضها العديد من الجوائز.
من جهة أخرى، كان هواة الفنّ وجامعو التحف الفنية من الأوربيين والأمريكيين مفتونين كثيرا باقتناء مناظره التي لا تنقصها الرومانسية وسعة الخيال.
ومنذ تسعينات القرن الماضي انتعش الطلب مجدّدا على لوحاته في وقت أعيد الاعتبار للفنّ الأكاديمي ورموزه الكبيرة.
والحقيقة أن لوحات سينياك كلها جميلة وتروق للعين، ما يجعل اختيار واحدة منها بالذات أمرا في غاية الصعوبة. والمشكلة الأكبر تتمثّل في أن معظم لوحاته عارية. وحتى في اللوحات الأقل عُريا، عمد الرسّام إلى إلباس نسائه ثيابا شفّافة تكشف عن مفاتنهن أكثر مما تستر.
لكنْ، والتزاما بنهج المدوّنة، استقرّ الاختيار على هذه اللوحة رغم أنها ليست أشهر أعمال الرسّام.
اللوحة تصوّر امرأة شابّة تجلس في حالة تأمّل وسط طبيعة خضراء. ويبدو أن المرأة بانتظار الإلهام الذي يأخذ هيئة ملاك صغير بجناحين وملامح بريئة. الملاك يجلس على الطرف العلوي للكرسي الذي تجلس عليه المرأة، بينما يوشوش في أذنها بكلمات قد تكون المفتاح الذي يساعدها على رسم لوحة أو كتابة قصيدة ما.
وجه المرأة ذو ملامح جميلة تذكّرنا بالجمال المثالي الذي كان الرسّامون يستقونه من النماذج الرومانية واليونانية القديمة.
الألوان هنا دافئة ومتناغمة، والخطوط ناعمة، والملابس المنسدلة مرسومة بطريقة غاية في البراعة والرقّة.
وممّا يلفت الانتباه في اللوحة أيضا الأسلوب المتناسب الذي رسم به الفنّان الكتفين وانثناء الجسد وميلان الرأس قليلا إلى اليسار.
اللوحة ذات لمسة رخامية ناعمة. ويبدو فيها واضحا تأثر سينياك بأسلوب مواطنه الرسّام نيكولا بوسان وبرسّامي عصر النهضة الايطالي الذين كانوا يولون أهمية كبيرة للتوليف المتناغم والتوازن الدقيق والمحسوب بين الخطوط والألوان والظلال.
غير أن بوغورو يظلّ الحاضر الأكبر في كلّ تفصيل وفي كلّ ضربة فرشاة، بل وحتى في الفكرة التي تتناولها هذه اللوحة.
لوحات سينياك الأخرى تصوّر، هي أيضا، نساءً صامتات أو متأمّلات في طبيعة زهرية لا تخلو أحيانا من صور لنوافير وكراسي وأباريق من الرخام.
ومن الملاحظ انه أعطى بعض نسائه شيئا من ملامح نساء مايكل انجيلو، غير انه وضعهم في قلب الطبيعة كأنما ليخلّد جمالهم الشائك والمثالي.
بعض مناظر سينياك تنطق بالبراءة. وبعضها الآخر لا يخلو من فتنة وغواية.
وربّما لهذا السبب، هي تروق للتقليديين والحداثيين على حدّ سواء.
فكرة التأمّل والإلهام في الرسم تعود إلى نهايات القرن التاسع عشر ونهايات القرن العشرين.
في ذلك الوقت كان الرسّامون يركّزون على الأفكار والانفعالات الذهنية المختلفة كالتأمّل والصمت والإلهام والتذكّر والعزلة وغيرها من الحالات التي تتناول المسائل العاطفية والروحية.
وأحيانا كانت رسوماتهم مرتبطة بتأثيرات دينية أو شعرية أو فلسفية.
وكان بعض الأدباء والفلاسفة يعتقدون بأن التأمّل في الوجوه الخفيّة للحياة هو أساس الوعي والإبداع.
وبعضهم كان يرى أن الفنّ بحدّ ذاته هو نوع من التأمّل الذي يمتّع العقل ويثري الحواسّ. كما أن الأعمال الفنية العظيمة ليست سوى نتاج للتأمّل الذي يفضي بدوره للإلهام ومن ثم الإبداع.
ومن أشهر فنّاني تلك الحقبة ممن صوّروا التأمّل والعزلة في رسوماتهم كلّ من ويليام همرشوي واوديلون ريدون وغيرهما.


عائـلـة الرسّـام للفنان الأمريكي إدمونـد تاربِـل

يعتبر ادموند تاربل احد أشهر الرسّامين الانطباعيين الأمريكيين. وكان معاصرا لكلّ من فرانك بنسون وتشايلد هاسام اللذين يعتبران من أهمّ رموز الانطباعية الأمريكية خلال القرن العشرين.
كان تاربل يهوى رسم الديكورات الداخلية والمناظر المنزلية. وكانت زوجته وأطفاله الأربعة هم موديلاته المفضّلون. وتتسمّ أعماله بالمزج ما بين الانطباعية والأسلوب الأكاديمي في الرسم.
ويبدو الشخوص في لوحاته وهم منهمكون في أعمال وأنشطة منزلية أو جالسون خارج المنزل.
كان الرسّام ينتمي إلى مدرسة بوسطن للرسم والتي ازدهرت وذاع صيتها بدءا من السنوات الأولى من القرن العشرين.
وقد اشتهر رسّامو تلك المدرسة إجمالا بمناظرهم التي تصوّر العالم المنعزل لنساء الطبقة العليا اللاتي يظهرن بملابسهن الأنيقة وهيئاتهن الحديثة وهنّ يؤدين أعمالهن الروتينية اليومية.
في هذه اللوحة يرسم تاربل زوجته وشقيقتها وأبناءه الأربعة. وأوّل ما يلفت الاهتمام في المنظر سحر الألوان، وخاصّة هذا المزج المرهف ما بين اللونين الأصفر والأزرق واهتمام الرسّام بالتفاصيل والعناصر الصغيرة.
الألوان في اللوحة متقشّفة وباردة وذات لمسة ناعمة. والأسلوب الذي تعامل به الرسّام مع عنصري الضوء والظل هو أيضا ممّا يسترعي الانتباه.
أيضا هناك النافذة المفتوحة على منظر خارجي، وانعكاسات الضوء على الأرضية والجدران والملابس. كما أن مسارات الفرشاة الفضفاضة وذات النسيج الريشي الأملس على الملابس وملامح الوجوه تعطي إحساسا بالحيوية والتلقائية. وكل هذه سمات واضحة للرسم الانطباعي.
لزمن طويل كان الرسّامون كثيرا ما يستخدمون أفراد عائلاتهم كموديلات في لوحاتهم من اجل تجسيد حدث تاريخي أو موضوع أدبي أو للتعبير عن فكرة مجازية.
لكن اعتبارا من أواخر القرن التاسع عشر تغيّر ذلك التقليد مع مجيء المدرسة الانطباعية، حيث بدأ الفنانون يرسمون أفراد عائلاتهم في الطبيعة المفتوحة من اجل الإمساك بآنية وفورية الحياة المعاصرة وتصوير تبدّل حالات الضوء والظل أثناء ساعات النهار.
عاش ادموند تاربل معظم حياته في الولايات المتحدة. لكن لأنه اظهر موهبة غير عاديّة في الرسم منذ صغره فقد اُرسل إلى باريس حيث تعلّم فيها على يد كلّ من غوستاف بولانجير وجول لوفيفر.
وفي باريس أيضا تدرّب على أسس ومبادئ الرسم الأكاديمي وقام باستنساخ أعمال كبار الرسّامين الذين كان يرى لوحاتهم في اللوفر.
في تلك الأثناء كانت الانطباعية تعيش أوج صعودها. وقد أعجبته أعمال الانطباعيين وبدأ يدرس أساليبهم ويتأثر بمناظرهم.
وأثناء إقامته في فرنسا قرّر أن يذهب إلى ايطاليا ثم ألمانيا وبلجيكا. وبعد ذلك بعامين عاد إلى بوسطن حيث تزوّج وعمل رسّاما للبورتريه.
ومع مرور الأيام ترسّخ اسمه وأصبح مشهورا باعتباره رسّاما انطباعيا مرموقا.
ومن النقّاد من يعتبر لوحته "في البستان" نقطة تحوّل مهمّة عرّفت الجمهور أكثر بفنّه وموهبته. وقد صوّر في هذه اللوحة، شأنها شأن العديد من لوحاته الأخرى، زوجته وأطفاله وهم يجلسون ذات ظهيرة في حديقة منزلهم في الهواء الطلق.
وفي ما بعد اختير الرسّام للعمل أستاذا في المدرسة التابعة لمتحف بوسطن للفنون الجميلة.
ولوحات تاربل تتسم بثرائها اللوني الأخّاذ وبضربات الفرشاة السائلة وبلمعان الطبيعة والألوان الساطعة والمبهجة.
وهناك من النقّاد من يلقّبه بـ "شاعر المناظر المنزلية". كما أن هناك من يشير إلى تأثره بأسلوب الرسّام الهولندي يوهان فيرمير.
الجدير بالذكر أن ادموند تاربل رسم بورتريهات لبعض الشخصيات المهمّة في زمانه مثل الرئيسين الأمريكيين وودرو ويلسون وهيربرت هوفر.
وتتوزّع الكثير من لوحاته اليوم على أشهر المتاحف والمجموعات الفنّية الخاصّة في الولايات المتحدة.


عِنــاق للفنان البولندي تجيسـلاف بيـشينيسكـي

عندما تنظر إلى إحدى لوحات بيشينيسكي، لا بدّ وأن تستوقفك طبيعتها الصادمة وتفاصيلها المخيفة.
في هذه اللوحة يرسم رجلا وامرأة على هيئة هيكلين عظميين وهما في حالة عناق حميم. الصورة مزعجة وربّما مرعبة. واللون البرتقالي الذي يغطّي المشهد بالكامل يكثّف حالة الشعور بالانقباض والسوداوية.
هل هي لوحة عن الموت؟ أم أنها تعبير عن الإحساس بخواء الحياة وخلوّها من أيّ معنى؟
الواقع أن جميع لوحات بيشينيسكي هي عبارة عن مشاهد متتالية من طبيعة كئيبة تمتلئ بالهياكل والصحاري والأشخاص المشوّهين. كما تظهر في بعضها صور لدُمى أطفال مهشّمة ولأشخاص بلا وجوه وأشخاص آخرين تغطّي الضِمادات وجوههم.
ومناظره بشكل عام تذكّر بأفلام الرعب وأحيانا بتفاصيل تلك الطبيعة الفانتازية التي تظهر في أفلام الفيديو الالكترونية عادة. وأجواء معظم لوحاته مظلمة ومسكونة بالكوابيس والرؤى المزعجة. مقابر، مخلوقات غريبة الشكل، ملامح لأشخاص تكشف عن قدر عظيم من الألم والمعاناة والقسوة. بعض اللوحات تذكّرنا بفنّ وأدب الحقبة القوطية. بعضها الآخر فيها تأثيرات سوريالية وتجريدية واضحة.
تتأمّل بعض لوحات بيشينيسكي فيخطر بذهنك انه يرسمها من العقل الباطن. قد تكون مشاهد لشياطين أو انعكاسات لحالات روحانية أو سيكولوجية أو تخيّلات لما سيحدث في يوم القيامة أو في نهاية الزمان.
في إحدى اللوحات نرى ما يشبه الجحيم. وجوه تصرخ بهلع في مكان موحش ومقبض. وفي أخرى نرى شخصين يرتديان ملابس خضراء وهما يقفان أمام حائط حجري بينما يمرّ القمر أمامهما بطيئا عبر نافذة مفتوحة. وبخلاف ما هو معتاد، فإن منظر القمر الذي يملأ النافذة يبعث القشعريرة والرهبة في النفس. وفي لوحة ثالثة يظهر مخلوق شبحي أعمى يمشي على عصا في جوّ ضبابي بينما يقوده حيوان أسود غريب الهيئة ودميم الملامح.
وفي لوحة أخرى يظهر إنسان على هيئة هيكل عظمي وهو يعزف على آلة موسيقية بعظام يديه وقفصه الصدري.
لوحات بيشينيسكي الفانتازية والمرعبة ليس من السهل فهمها بل يستعصي أكثرها على الشرح والتفسير. البعض يشبّه وجوه شخوصه المشوّهة بـ "غورنيكا" بيكاسو. والبعض الآخر يقارنه بالرسّام النمساوي ارنست فوكس. وهناك من يشبّهه بـ كافكا الذي يقال انه كان يضحك بشكل هستيري عندما يقرأ قصصه المخيفة بصوت عال. وربّما تكون مناظره تعبيرا عن وحشية العالم الحديث وافتقاده للمثل الإنسانية والأخلاقية.
ومن الواضح أن الفنان يرسم لوحاته بكثير من البراعة والإتقان. كما انه ماهر في استخدام تأثيرات الضوء والظل.
لكن يظلّ غموض أعماله من النوع الذي يشوّش العقل ويربك الحواسّ. هناك مثلا البُنى العملاقة التي تنهض من التراب أو من وسط الصحراء الشاسعة، والأشخاص الذين يمشون تحت سماء تنذر بالخطر، ومنظر البالونات الملوّنة التي تطفو فوق ناطحات سحاب توشك أن تنهار. وفي إحدى لوحاته المعروفة يبدو شخص ضئيل يمسك بمصباح في قاع هاوية سحيقة بين جبلين ضخمين. وفي أكثر من لوحة، تظهر كاثدرائيات عملاقة تغرق في الصمت والظلام.
العين المعمارية لـ بيشينيسكي واضحة في كلّ لوحاته، وأحد شواهدها هو تعامله المبدع مع النسيج والمنظور. ويبدو انه استفاد من دراسته للمعمار في بدايات حياته، أي قبل أن يتحوّل للرسم.
وبعض النقاد يقولون إن طبقة القبح التي تغطي لوحات الرسّام تكشف أحيانا عن قيم وأفكار ايجابية. والبعض القليل من مناظره لا تخلو من مسحة رومانسية، ما يذكّر ببعض أعمال الفنان الألماني كاسبار فريدريش.
مشاهد البحر والمحيط في لوحات بيشينيسكي وتصويره لجلال وعظمة الجبال قد يكون تذكيرا بضآلة البشر في هذا الكون الواسع الفسيح وكيف أن هذا العالم الغامض يمكن في أيّ لحظة أن يطبق على الإنسان ويسحقه.
وهناك احتمال أن تكون رسوماته ترجمة لما اختزنه لاوعيه من ذكريات الطفولة. فقد تربّى ونشأ قرب احد معسكرات الاعتقال في بولندا خلال الحرب العالمية الثانية وشاهد هناك الكثير من الفظائع التي لا يشاهدها الأطفال الصغار عادة. كما عاصر غزو واحتلال كلّ من ألمانيا والاتحاد السوفيتي للأراضي البولندية، ما أدّى إلى مقتل أكثر من خمسة ملايين مواطن بولندي.
ولد تجيسلاف بيشينيسكي في بولندا وكان يحبّ الرسم منذ سن مبكّرة. وقد أصبح بسرعة الشخصية الأكثر أهميّة في الفنّ البولندي المعاصر.
الغريب انه كان شخصا مرحا ومحبّا للدعابة على العكس مما توحي به لوحاته. كما كان على درجة كبيرة من التواضع والخجل، لدرجة انه كان يتجنّب حضور المناسبات العامّة بما فيها حفلات افتتاح معارضه الخاصّة.
وقد كان بيشينيسكي شغوفا كثيرا بالموسيقى. وكان دائما يتجنّب تحليل لوحاته ويرفض إطلاق تسميات عليها. وكثيرا ما كان يؤكّد أن أعماله تثير التفاؤل والأمل على عكس ما يتصوّره معظم الناس.
المفارقة الساخرة هي أن بيشينيسكي أصبح في ما بعد ضحيّة للعالم الذي طالما صوّر توحّشه وقسوته في لوحاته. ففي أواخر حياته توفّيت زوجته وبعد ذلك بسنة انتحر ابنه الوحيد، وهو الحادث الذي دمّره وشلّ حياته تماما.
غير أن آخر مشاهد القيامة الذي لم يرسمه في ايّ من لوحاته كان حادثة اغتياله هو شخصيا.
ففي أحد أيّام شهر نوفمبر من عام 2005 م عُثر على بيشينيسكي مقتولا في شقّته بـ وارسو بعد إصابته بعدّة طعنات في أنحاء متفرّقة من جسده.
وفي ما بعد تمّ الكشف عن أن القاتل كان ابن أحد اعزّ أصدقائه وأكثرهم قربا منه وأن الدافع وراء الجريمة كان السرقة.
وبعد وفاته اُنشيء متحف يحمل اسمه ويضمّ معظم أعماله.